الصفحة 141 من 159

أُولئكَ الحُمْرِ يُهْرَعُونَ!، فَإنِ اسْتَقامُوا اسْتَقامُوا؛ وإنِ اعْوَجُّوا اعْوَجُّوا!، وإنْ مالُوا مالُوا!، وإنْ عَرَجُوا عَرَجُوا!، وإنْ قَفَزُوا عَلى قَدَمٍ واحِدَةٍ قَفَزُوا عَلى مِثْلِها!!، فَكَأَنَّما يَعْنِيهِمُ الشّيْخُ مَحَمَّدُ البَشيرُ الإبْراهِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ حَينَ قال: وَكَمْ فِي كَلاَمِ الفَارِغِينَ (قَلْتُ: وفِي حِكاياتِهِمْ أَيضًا) مِنْ تَسْلِيَةٍ لِلْهَمِّ وَتَزجِيَةٍ للْوَقْتِ وَتَرْوِيحٍ للخَوَاطِرِ المكْدُودَةِ! , بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ السَامِعُ مَوْفُورَ الحَظِِّ مِِنَ الصَّبْرِ. وصَدَقَ رَحِمَهُ اللهُ؛ وشَرُّ البَلِيَّةِ ما يُضْحِكُ!، فَناشَدْتُكَ اللهَ لَو أنَّ صَبِيّا صَنَعَ ذلكَ وقَلَّدَ كَبِيرًا في مِشْيَتِهِ، أما يَكُونُ مَدْعاةً للهُزْءِ وَالسُّخْرِيَةِ والضَّحِك، فَكَيْفَ بِكَبِيرِ الرّاسِ ذِي الشارِبَيْن؟!.

والتَّقْلِيدُ وإنْ كانَ مِن السُّنَنِ الاجْتِماعِيَّةِ؛ ومِنْهُ ما يَنْفَعُ إِنْ كانَ سَعْيًا فِي أَسْبابِ القُوَّةِ ودافِعًا للتَّحَرُّرِ مِن سُلْطَةِ الغالِبِ وقَهْرِه، لكِنَّ مِنْهُ ما يَضُرُّ أَعْظَمَ الضَّرَرِ إنْ كانَ يَمْحُوا الصِّبْغَةَ الحَضارِيَّةَ للأُمَّة؛ ويَفْصِلُها عَنْ تارِيخِها وثَقافَتِها؛ ويُذِيبُها فِي غَيْرِها مِن الأُمَمِ، وما إِقامَةُ نُظُمِ التَّعْلِيمِ والتَّرْبِيَةِ وَفْقَ مَناهِجِ (المُسْتَعْمِرِ) التِي تُحَقِّقُ أَهْدافَهُ وغاياتِهِ! إلاَّ مِثَالًا بَيِّنًا لِهَذا.

والتَّأّثُّرُ بِلُغَةِ (المُسْتَعْمِرِ) التِي هِيَ مَعْبَرُ ثَقافَتِهِ إلَى الآخَرينَ مِثالٌ آخَرٌ أَيضًا!، ومِن الطَّريفِ هُنا ما قَرَاتُهُ قَديمًا ولِيسَ بَينَ يَدَيَّ الآنَ مَصْدَرُهُ؛ أنَّ بَعْضَ (الأسَاقِفَةِ) مِن الرُّومِ قَصَدَ الأَنْدَلُسُ فِي عُهُودِ ازْدِهارِها، فَآسَفَهُ أنْ رَأى الطُّلاَّبَ الوافِدِينَ مِن أَبْناءِ النَّصارَى يَحْلُوا لأَحَدِهِمْ وهُوَ يَتَحَدَّثُ لُغَتَهُ الأُمَّ أنْ يُدْرِجَ خِلالَها بِضْعَ كَلِماتٍ مِن اللغَةِ العَرَبِيَّةِ!؛ لِشُعُورِهِمْ بانْتِمائِها فِي ذلكَ الحِينِ إلَى ثَقافَةٍ أَعْلَى مِن ثَقافَتِهِمْ!، وكَتَبَ (الأُسْقُفُّ) كِتابًا إلَى بَعْضِ المُلُوكِ النصارَى يَشكُو لَهُمْ ذلك.

وهَذا هُوَ الذي يَقَعُ اليَوْمَ لِمُثَقَّفِينَا وأَبْنائِنا! - والأيامُ دُوَلٌ - حَتَّى تَرَى الواحِدَ مِنْهُمْ يَسْتَمْلِحُ الكَلِمَةَ الأَجْنَبِيَّةَ عَلى صُعُوبَتِها وثِقَلِها عَلى اللسانِ! مَعَ أنَّ التي تُقابِلُها فِي العَرَبِيَّةِ أَخَفُّ حِمْلًا!، كَلَفْظَةِ ( Excuse me) ، والتِي يُقابِلُها فِي العَرَبِيَّةِ: عُذْرًا!!.

وكاسْتِبْدَالِ القَوْمِ أَيْضًا عِبَارَةَ (سَيِّداتِي آنِساتِي سَادَتِي) !! فِي افْتِتَاحِ الكَلامِ - تَقْلِيدًا لِتِلكَ الأُمَمِ - بالحَمْدِ والثَّناءِ علَى اللهِ تعالَى بِما هُوَ أَهْلُهُ والصلاةِ والسلامِ علَى نَبِيهِ الكَرِيمِ!، فَضْلا عَما لا يُحْصَى مِن أَسماءِ الآلاتِ والمَصْنُوعاتِ التِي تُنْتِجُها الأَسْواقُ فٍي كُلِّ يَومِ.

ولا شَكَ أنَّ هَناكَ فَرْقًا واضِحًا مُعْتَبَرًا بَيْنَ تَعَلُّمِ لَغَةِ القَوْمِ طَلَبًا للنَّافِعِ مِن العُلُومِ، وبَينَ اتِّخاذِها جِسْرًا تَنْتَقِلُ إلَينا بِهِ ثقافَةُ القَومِ التِي أصْبَحَتِ اليَومَ الركْنَ الأساسَ لِمَرْحَلَةِ العَوْلَمَةِ بَعْدِ (الاسْتِعمارِينِ) العَسْكَرِيِّ والاقْتِصادِيِّ.

ومِثَالٌ ثالِثٌّ؛ تُصْبِحُ بِهِ الأَمْثِلَةُ وِتْرًا، وهُوَ تَأَثُّرُ المَرْأَةِ! والرَّاعِينَ لَهَا بالثقافَةِ الغَرِبِيَّةِ تَقْلِيدًا يُقارِنُ الجُنُون!، حَتَّى أَصْبَحَ ذلكَ مِيزانَ الحَضارَةِ والتَّقَدُّمِ عِنْدَ القَوْمِ!، عَلَى أنَّ القَوْمَ يَزْعُمُونَ العُرُوبَةَ وبِها يَتَشَدَّقُونَ ويُنادُونَ، وَما عَهِدْنا العَرَبَ فِي تارِيخِهِمْ وثَقافَتِهِمْ إِلاَّ أَهْلَ نَخْوَةٍ وَحَمِيَّةٍ وغَيْرَةٍ عَلَى الحُرُماتِ وَالأعْراضِ!، فَما بالُ بَناتِ أُناسٍ مِنْهُمُ اليَوْمَ يُخَاصِرْنَ الرِّجالَ فِي الشوارِعِ والأسْواقِ جِهارًا نَهارًا، وقَدْ امْتَلأَتْ بِلادُهُمْ بِدُعاةِ الرَّذِيلَةِ وسُعاةِ الفَسادِ وبُغَاةِ الدَّنِيَّةِ؟!، ألا ساءَ ما يَزِرُونَ.

وقَدْ قَلْتُ مَرَّةً لأَحِدِ هَؤلاءِ مُنْكِرًا علَيْه؛ وكانَتْ مَعَهُ زُوجُهُ فِي هَيئَةٍ تَنادِي مَنْ يَراها (هَيْتَ لَكَ) !: أَعَرَبِيٌّ أَنْتَ؟!، قالَ: بَلَى!، قُلْتُ: أًمُسْلِمٌ أمْ نَصْرانِيٌّ؟!، قالَ: مُسْلِمٌ!، قَلْتُ لَهُ: لا الإسْلامَ لَزِمْتَ، ولا بِعَرَبِيَّتِكَ عَمِلْتَ، وَوَاللهِ لَمَّا رَأَيتُكُ ما حَسِبْتُكَ إلا نَصْرانِيًّا!، فَضَرَبَ الرَّجُلُ بِيَدِهِ عَلى جَبِينِهِ أَسَفًا، وَوَعَدَنِي أنْ لا يَعُود.

وهذا يَدُلُّكَ عَلى أنَّ (المُسْتَعْمِرَ) لَما نادَى بِإحْياءِ القَوْمِيَّةِ العَرَبِيَّةِ! وعَقَدَ لِذلكَ المُؤْتَمَرَ الأَوَّلَ فِي (بارِيسَ) مِن نَحْوِ مائَةِ عامٍ؛ فِي سَنَةِ (1910) والتِي تَكَوَّنَتْ علَى إثْرِهِ جَمْعِيَّاتٌ عَرِبِيَّةٌ مُخْتَلِفَةُ الاتِّجاهاتِ حَاوَلَ الأَتْراكُ إخْمادَها بأَحْكامِ القَتْلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت