الصفحة 140 من 159

وأَولَى الناسِ بالمَثَلِ العَرَبِيِّ القائلِ: عَهْدِي بِه وَهُو لِدَوَابِّنَا مُبَيْطِرٌ!؛ فَهُوَ الآنَ عَلَيْنَا مُسَيْطِرٌ!!، ومِنْ أَغْرَبِ ما قَرَاتُ فِي ذلكَ ما فِي (قِصَّةِ الحَضارَة) عَنِ الطَّبِّ عِنْدَ الشُّعُوبِ البِدائِيَّةِ من أهْلِ (مَالِينْزْيا) وأَنَّهُمْ كانُوا يَنَجَحُونَ فِي تَسْعِ عَمَلِيَّاتٍ جِراحِيَّةٍ مِن كُلِّ عَشْر!، بَيْنَمَا كَانَتْ الجِرَاحَةُ نَفْسُهَا عَامَ (1786) للمِيلاد؛ تَنْتَهِيِ بالموْتِ فِي كُلِّ الحَالاَتِ بِغَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ؛ فِي مُسْتَشْفَى (أُوتِيلْ دِيِيه: Hotel Dieu) فِي بَارِيسَ عاصِمَةِ فَرَنْسا!!، و (بارِيسُ) هَذَهِ هِي التِي بُنِيَ فِيها أَوَّلُ مُسْتَشْفَى عُرِفَ فِي أَورُوبا؛ وهُو مُسْتَشْفَى (مِيزُونْ دِيِيه: Maison Dieu) ؛ وكانَ ذلكَ فِي القَرْنِ السابِعِ المِيلادِيّ، بَينَما عُرَفَ بِناءُ المُسْتَشْفَياتِ المَجَّانِيَّةِ فِي الهِنْدِ قَبْلَ ذلكَ بِثَلاثَةِ قُرُون!، كَما فِي (قِصَّةِ الحضارَةِ: 2/ 3/110) .

وَإِنِّي سائِلُكُ فاسْتَمِعْ إلَيَّ:

تَرَى الإنْسانَ لِحاجَتِهِ إلَى الطعامِ والشرَابِ قَدْ عَرَفَ صُنُوفَهَ وألْوانَهُ، وأتْقَنَ صِناعَتَهُ وأحْكَمَها!، ومَيَّزَ بَيْنَها باسْمٍ جَعَلَهُ لِكُلٍّ مِنْها، وذلكَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الأُمَمِ مِن القَديم، فَالعَرَبُ مَثَلًا:

تَعْرفُ (المَرِيدَ) ؛ وهُو: تَمْرٌ يُجْعَلُ فِي اللبَنِ حَتَّى يَلَين ...

و (الدَّلِيكَ) ؛ وهُوَ: مِنْ زُبْدٍ ولَبَن ..

و (الجُوذَابَ) ؛ وهُو: مِن سُكَّرٍ ورُزٍّ ولَحْم ...

و (المَصُوصَ) ؛ وهُوَ: لَحْمٌ يُطْبَخُ ثُمَّ يُجْعَلُ في الخَلِّ ...

و (المَقْمُورَ) ؛ وهُو: سَمَكٌ يُجْعَلُ في خَلٍّ ومِلْحٍ فَيَصِيرَ صِباغًَا بارِدًا يُؤْتَدَمُ بِه ...

وغَيْرُ هذا كَثِيرٌ!، بَلْ كَثِيرٌ جِدا!!، أفَتَرَى هَذا يَسْتَحِقُّ ما يُبْذلُ لأجْلِهِ مِنَ السَّعْيِ!؛ حَتَّى غَدَوْنا فِيهِ سَابِقِينَ للأُمَمِ كُلِّها!!، ثُمَّ إذا صارَ الأَمْرُ إلى ما فِيهِ صلاحُ الأُمَّةِ وخَيْرِها، وإلى خَلاصِها مِما هِيَ فِيهِ فُتَّحَتْ أَبْوابُ المَعاذِيرِ عَلَى مَصارِيعِها؟!.

-فَإذا كانَ شَانُ الإسْلامِ ما قُلْتَهُ - وهُو كَذلكَ ولا بدّ -؛ فَما بالُ أَقْوامٍ مِنّا!! - ولَو شِئْتُ سَمَّيْتُهُم - لا يَزَالُونَ يَنْسِبُونَ إلَيْهِ كُلَّ ما يُرَدِّدُهُ عَنْهُ بُنُوا الأَصْفَرِ أَبْناءُ الرُّوم، حَتَّى إِنَّهَمْ أُولِعُوا بِذلكَ!، فَلا يَنْطِقُ أولئكَ بِكَلِمَةٍ إلا وَوَقَعَ عَلَيْها هؤلاءِ وقُوعَ الغِرْبانِ والرَّخَمِ عَلَى المَيْتَةِ يَتَناوَشُونَها! ...

فَتارَةً يَتَحامَلُونَ علَى الإسلامِ نَفْسِه! ...

وتارَةً علَى نَبِيِّهِ وهَدْي نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصلاةُ والسلامُ! ...

وتارَةً عَلَى أحْكامِهِ وتَشْرِيعاتِهِ! ...

وتارَةً علَى حُدُودَهِ، وعَلى أوامِرِهِ ونَواهِيهِ! ...

ورُبَّما تَمَحَّلَ لذلكَ قَوْمٌ بِأَنْواعٍ مِن التاويلاتِ الفاسِدَةِ؛ التِي تَؤولُ إلَى تَعْطِيلِ أحْكامِ الشرْعِ!؛ مِمّا لَو فُعِلَ مِثْلُهُ بِالقانُونِ الوَضْعِيِّ لَعُدَّ جُرْمًا يَسْتَحِقُّ مُرْتَكِبُهُ المُعاقَبَةَ!، فَكَيفَ بِشَرْعِ اللهِ الذي لا نَجاةَ لأَحَدٍ إلا باتَّباعِهَ!، وهُمْ فِي كُلِّ ذلكَ يَزْعُمُونَ التَّقْرِيبَ بَينَ الإسلامِ والفِكْرِ المادِيِّ الغَرْبِي!، ولَولا أنْ أخْرَجَ عَن حَدِّ السؤَالِ لَسُقْتُ مِن ذلكَ ما تَطُولُ حِكايَتُه!.

-إنْ هَؤلاءِ يا (مَرْجانُ) إِلاَّ كالذُّبابِ يَقَعُ عَلَى يَدِكَ؛ فَإذَا حَرَّكَتَها تَناثَرُوا أَجْمَعُون!، لكِنَّهَا سُنَّةُ اللهِ تعالَى فِي خَلْقِهِ!، أنْ يُولَعَ المَغْلُوبُ بالتَّشَبُّهِ بالغالِبِ دَائِمًا فِي كُلِّ أُمُورِهِ؛ حَسَنِها وقَبِيحِها!، ولِذا تَرَى مِنَ هَؤلاءِ السُّمْرِ مَنْ هُمْ عَلَى آثارِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت