-هَلاَّ أَسْمَعْتَنا بَقِيَّةَ حَديثِكَ عَنْ كُنُوزِ الكَونِ والمَعْرِفَةِ يا سَيِّدِي؟؛ لَعَلَّ اللهَ يَفْتَحُ بِهِ قُلُوبًا تَكُونُ أَنْفَعَ لأُمّتِنا مِنْ الغَيْثِ المَرِيعِ؛ وأَحْسَنَ مِمَّا جادَ بِهِ الربِيعُ، وإِذا قَبِلَ اللهُ تعالَى القَليلَ بارَكَه.
-إنَّ سِرَّ العَظَمَةِ فِي دِينِ الإسلامِ يا (ياقُوتُ) فِي أَنَّهُ يَحَرِّرُ الإنْسانَ مِن رِقِّ العُبُودِيَّةِ لغَيْرِ خالِقِهِ، لأنَّهُ بِذلكَ يُعَلِّمُهُ الاعْتِمادَ عَلَى نَفْسِهِ بِما ذَلَّلَهُ لَهُ مِن مَيْسُورِ الأسْبابِ فِي مَناكِبِ الأَرْضِ، حَتَى قالَ له: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، وقالَ لَهُ: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فِي سُورَةِ الجاثِيَةِ، وسَواءٌ كانَتْ هَذه العُبُودِيَّةُ لِبَشَرٍ أو جَمادٍ، أَوْ لِحَيٍّ أوْ لِمَيِّتٍ، أَوْ لِفَرْدٍ أو أُمَّةٍ، فَكُلُّ ذَلكَ مانِعٌ لَهُ عَنِ انْطِلاقِهِ وتَطَلُّعِهِ إلِى آفاقِ الهُدَى والعِلْمِ والمَعْرِفَةِ التِي أودَعَها اللهُ تعالَى فِي صَفَحاتِ كِتابِهِ المسْطُورِ كما أوْدَعَها فِي صَفَحاتِ كَونِهِ المَعْمُور، ولذلكَ تَراهُ يَنْهاهُ عَنْ كُلِّ عائِقٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَينَ هذه الغايَةِ!، فَدُعاءُ غَيرِ اللهِ؛ واللجُوءُ إلَى غَيْرِهِ فِي الشدائدِ والحاجاتِ؛ سَواءٌ كانَ ملَكًا مُقَرَّبا؛ أو نَبِيًّا مُرْسَلا؛ أو صالِحًا ولِيًا، كَلُّ ذلكَ رُكُونٌ إلَى الغَيْرِ؛ يَفَوِّتُ عَلى المَرْءِ الاعْتِمادَ عَلى نَفْسِهِ بالسعْيِ للغايَةِ التِي خُلِقَ لَها مِن عِمارَةِ الكَوْنِ بِتَوحِيدِ اللهِ وطاعَتِه؛ والتّمْكِينِ لِخَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناس، ولأَجْلِ هذا المَعْنَى أيْضًا نَهَى عن التَّبَتُّلِ (تَركِ النكاح) والرهْبانِيَّةِ والجَزَعِ وتَسَخُّطِ القَضاءِ والقَدَر، وعَنْ كُلِّ مَا يُرْهِقُ المَرْءَ مِن الأحْزانِ التِي تُثْقِلُهُ وتُقْعِدُهُ عَن السعْي والعَمل، فَنَهى أشدَّ النّهْيِ عَنْ كُلِّ ما يَقَعُ عِنْدَ القُبُورِ مِن البِدِعِ؛ كالإقامَةِ عِنْدَها، والبِناءِ علَيْها، وتَجْصِيصِها، وتَزيِنِها، وحَمْلِ الأزْهارِ إلَيْها؛ وهِي عادَةٌ يُونايِيَّةٌ قَديمَةُ!، كَما نَهَى عَن رَفِع الصوتِ عِنْدَها بالبكاءِ والنياحَةِ وشَقِّ الجيُوبِ ولَطْمِ الخُدُودِ والدعاءِ علَى النفْس بالويلِ والهلاك، ونَهَى أنْ تُحِدَّ المَرْأةُ علَى مَيِّتٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ أيامٍ ولو كانَ والِدًا وأُمّا!، إلا الزوجَ لعَظِيمِ حَقِّهِ علَيها؛ وللمِثاقِ الغلِيظِ الذي بَيْنَهُما وهو سِرُّ بَقاءِ النوعِ الإنْسانِي، وكذلكَ ما يَفْعَلُهُ الناسُ مِن إحْياءِ ذكْرَى الأمواتِ وتَأبِينِهِم!، فَإنَّهُ اسْتِجْلابٌ للْهُمُومِ والأَحْزانِ!، أَرَأَيْتَ لَو أنَّ كُلَّ إنْسانٍ صَنَعَ ذلكَ بِعَزِيزٍ عَلَيْهِ وطَالَبَ الناسَ أنْ يُشارِكُوهُ ذلك!، فَما تَرَى الأنَكادَ والهُمُومَ صانِعَةً بِهِم؟!، وما أَحْسَنَ ما قالَ ابْنُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إذا وَقَعَ القَدَرُ فالْهُوا عَنْه!، وهِي كَلَمِةُ حَكِيمٍ ناصِحٍ، فإنَّ الذِي مَضَى لا يُعِيدُهُ حَزْنٌ أَقَلَّ المَرْءُ مِنْهُ أمْ أكَثَر!، ومَعَ هَذا فَهُو مَأخُوذٌ عَنِ الأُمَمِ الكَافِرَة، ولا يَزالُ أَهْلُ (المَكْسِيكِ) إلَى يَومِنا هذا يَحْتَفِلُونَ بِذكْرَى الأمْواتِ فِي الثانِي مِن شَهْرِ (نُوفَمْبَرَ) مِن كُلِّ عَامٍ، وُيُسَمَّونَهُ: ( The Day of Dead ) ؛ وتَعْنِي: يَومَ المَوت!، ويَتِّخِذُونَ فِيهَ هَياكِلَ مِن عَظامٍ تُمَثِّلُ مِن ماتَ مِنْ أقارِبِهِمْ وأصحابِهِمْ، ويلَبَسُ المُحْتِفِلُونَ أقْنِعَةً علَى هَيْئَةِ جَماجِمِ المَوتَى، وثِيابًا زَاهِيَةً مُلُونَّةً، ويَقْضُونَ وقْتًا فِي الرقْصِ والغِناءِ!، ثُمَّ يَحْمِلُونَ إلَى القُبُورِ الشمُوعَ والطعامَ والزهُورَ!.
وتَجِدُ هَذا المَعْنَى فِي النَّهْيِ عَن القُنُوطِ واليَأسِ والوَهَنِ والحُزنِ، وفِي الأمْرِ بِتَعْزِيةِ المُصابِ وتَسْلِيتِهِ، والأمرِ بالصبْرِ والمصابَرَةِ، وغَيرِ ذلكَ، مِمّا يَدْفَعُ بالاُمَّةِ كُلِّها إلَى بَذْلِ كُلِّ ما تَمْلكُ مِنْ قُوَّةٍ فِي بُلُوغِ الغايَةِ من المُطْلُوب.
وأَقُولُ لَكَ ما قُلْتُهُ لِبَعْضِ الأَصْحابِ مِنْ قَبْلُ: أرَأَيْتَ لَو أنَّ هَذه الأُمَمَ الغَرْبِيَّةَ بِما مَلَكَتْهُ مِن عِلْمٍ وَوَسِيلَةٍ وآلَةٍ لَزِمَتْ هَدَى اللهِ وشَرِيعَتَهُ؛ وبَذَلَتْ ما تَمْلِكُهُ فِي إقامَةِ ما أَمَرَ اللهُ تعالَى بِهِ مِن التَّوْحِيدِ وَالعَدْلِ والقِسْطِ بَينَ الناس، ونَبَذَتْ عَنْها كُلَّ ما خالَفَ الإسْلامَ مِمّا لا زَالَتْ تَشْقَى بِهِ، وَيَشْقَى بِهِ مُقَلِّدُوهًا بَينَ الأُمَم!!، أَما كانَتْ - لَو صَنَعَتْ ذلكَ - هِيَ المِثالَ الذي يَنْشُدُهُ عُقَلاءُ الأُمَم، وكُلُّ مَنْ فَهِمَ رِسالَةَ الإسلامِ وغايَتَه!.
وما فِي تِلكَ الأُمَمِ مِن شيءٍ يُمَيِّزُهُمْ عَمَّنْ سِواهُم!، بَلْ هُمْ بَشَرٌ مِن البَشَر، يُصِيبُهُمْ ما يَصِيبُ الأُمَمَ؛ ويَعْتَرِيهِمْ ما يَعتَرِيها، وكَمْ مِن كُنُوزِ الكَونِ وعُلُومِهِ التِي لا يَزالُونَ يَجْهَلُونَها، بَلْ لَقَدْ كانُوا مِن أَجْهَلِ الناسِ بِهذه العُلُومِ إلى عَهْدٍ قَريبٍ،