أنْ يَقْرَأَ أُصُولَ الإسْلامِ وقَواعِدَهُ ومَوقِفَهُ مِن العِلْمِ وعِمارَةِ الكَونِ قِراءَةً مُتَجَرِّدَةً عَنْ حُكْمٍ قَدْ اسْتَقَرَّ فِي نَفْسِهِ سابِقًا؛ تَغْدُو مَعَهُ العَيْنُ كَلَيلَةً لا تَرَى إلا القَرِيبَ الذِي يُوافِقُ رَغْبَتَها وهَواهَا!.
ويَظْهَرُ لكَ مِن جُمْلَةِ ما حَدَّثْتُكَ أنَّ الذي أوْصَلَ المُسْلِمِينَ إلَى هَذا عامِلان: عامِلٌ خارِجِيٌّ وهُو الاستِعْمارُ وآثاره!، وعامِلٌ داخِلِيٌّ! أشرْنا إلَى بَعْضِهِ، وبَعْضُهُ الآخَرُ أَقْوامٌ بَيْنَنا ما عادُوا يَخْفَوْنَ عَلى أَحَد!!؛ فَهُما (العامِلانِ) اللذانِ بَلغا بالمُسْلِمينَ ما بَلغاه حَتَّى أَصْبَحا عائِقَينِ عَن التَّفاعُلِ النافِعِ الواجِبِ بَينَ الأُمَّةِ والكَونِ مِن جِهَةٍ وبَيْنَها وبَيْنَ الحَياةِ مِن جِهَةٍ أُخْرى.
وهذا الذي جَعَلَكَ تَقولُ: إن حَرَكَةَ الحياةِ قَدْ وقَفَتْ بِنا!، وهِي كَلِمَةٌ وإنْ كانَ عَلَيْها مَسْحَةٌ مِن الصِّدْقِ لأَنَّهُ لا قِيمَةَ لِشكْلٍ لا جَوْهَرَ لَهُ!، إِلا أنَّها جَانَبَتِ الصَّوابَ فِي أكْثَرِ مَعَانِيها، لأنَّ اللهَ تعالَى خَلَقَ الحَياةَ مُتَحَرِّكَةً مُتَجَدِّدَةً دائِمًا لا تَتَوقَّفُ عَجَلَتُها عَن الحَرَكَة!، ولَولا ذلكَ لَما صَحَّ أنْ تُسَمَّى حَياةً أَصْلًا، والحَقُّ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِيها يَتَغَيَّر، ولَيسَ يَعْتَرِي الجمُودُ غَيرَ الإنْسانِ!، وعَلَى قَدْرِ ما تَتَفاعَلُ الأُمَّةُ مَعَها ومَعَ السُّنَنِ الرَّبانِيَّةِ فِيها تَكُونُ انْطِلاقِتُها وحَرَكَتُها.
-ما أَجْمَلَ العِلْمَ والحِكْمَةَ إذا اجْتَمَعا عَلى أَساسِ الإيمانِ باللهِ؛ وتَحْتَ مِظَلَّةِ العُبُودِيَّةِ لَهُ سُبْحانَه يا سَيِّدِي، لكِنْ ألا تَرَى ما حازَتْهُ تِلْكَ الأُمَمُ مِن أفانِينِ العِلْمِ وما جَمَعَتْهُ مِن أَطْرافٍ المَعْرِفَةِ، أذِلكَ لِشَيْءٍ اخْتَصُّوا بِهِ مِن بَيْنِ الأُمَمِ وفَقَدْناه؛ كَما يَخْتَصُّ الإنْسانُ بِجِبِلَّةٍ وطَبْعٍ يُمَيِّزُهُ عَمَّنْ سِواهُ؟!، أَمْ هُوَ سِرُّ كامِنٌ فِيهِمْ يَضْمَنُ لَهُمْ أسْبابَ قُوَّتِهِمْ وَغَلَبَتِهِمْ عَلَى سائِرِ الأُمَمِ؛ يَأَبَوْنَ أَنْ يَبُوحُوا بِهِ لأَحَدٍ مِن الناسِ؟!.
_ لا هَذا ولا ذاكَ يا مَرْجان!، بَلْ هِيَ أَسْبابٌ كَوْنِيَّة يَتَعَيَّنُ الأخْذُ بِها، يَسْتَوِي فِي ذلكَ البَشَرُ أَجْمَعُون، فالقَواعِدُ والأسُسُ الكَوْنِيَّةُ والاجْتِماعِيَّةُ التِي تَحْكُمُ الحَياةَ والبَشَرَ واحِدَةٌ فِي كُلِّ مَكانٍ وزَمان، وما لَمْ يَكُنْ كذلكَ مِنْها فَلا يَصِحُّ أنْ يُسَمَّى سُنَّةً وقاعِدَةً إلاّ مُقَيَّدًا بِما يَخْتَصُّ بِه، فَانْظُرْ مَثَلًا إلَى جُمْلَةٍ مِن هَذهِ القواعِدِ التِي خَلُصَ إلَيْها عُلَماءُ هَذهِ الفُنُون:
-مَثَلُ الأمَّةِ كَمَثَلِ الجَسدِ الواحِدِ؛ صَلاحُهُ مَوقُوفٌ علَى صَلاحِ أعْضاءِه.
-مَثَلُ الأُمَّةِ مَثَلُ البُنْيانِ، قُوَّتُهُ علَى قَدْرِ تَلاحُمُ لَبِناتِهِ، وتَمَاسُكِها مَعَ قَواعِدِهِ.
-سِياسَةُ الأُمَّةِ مَقِيسَةٌ علَى سِياسَةِ الفَرْدِ، وحالُها مُعْتَبَرٌ بِحالِهِ إِصْلاحًا وإفْسادًا.
-دَوامُ الدُّوَلِ علَى قَدْرِ ما تُقِيمُهُ مِن العَدْل، وسُرْعَةُ زَوالِها علَى قَدْرِ ما تَرْكَبُهُ مِن الظُّلْم.
-بالتَّرَفِ يُسْرِعُ الفَناءُ إلَى الأُمَمِ، والتَّباعُدُ عَن النَّعِيمِ يَصْنَعُ رِجالَ الحَرْب.
-إذا غُلِبَت الأُمَّةُ علَى أَمْرِها؛ وصارَتْ فِي يَدِ غَيْرِها أَسْرَعَ إلَيْها الفَناء.
-الإنْسانُ عُلْوِيٌّ فِي أَصْلِ خِلْقَتِه، مَدْفُوعٌ إلَى الابْتِكارِ بِجِبِلَّتِهِ، إِلا لِمانِعٍ خارِجِيِّ، وهكَذا الأُمَم.
-الدَّوْلِةُ سلامٌ فِي الداخِلِ؛ استِعْدادًا للحَرْبِ فِي الخارِج.
-الدَّوْلَةُ التِي تَعْتَمِدُ القُوَّةَ وَحْدَها سُرْعانَ ما يَتَقَوَّضُ بِناؤُها.
-الإعْراضُ عَن الحَرْبِ والإخْلادُ إلَى الأمْنِ يَجْعَلُ الأُمَّةَ نَهْبًا لِغَيْرِها مِن الأُمَم.
-الثَّراءُ يُوجِدُ المَدَنِيَّةَ ويُبْلِيها.
-العَقِيدَةُ الدِينِيَّةُ أساسٌ لِبِناءِ الدَّوْلَة.
-الإسْرافُ فِي العُنْفِ مِن أعْظَمِ أسبابِ ضَعْفِ الدولَة، (عِمادُ المُلْكِ حَزمٌ فِي لِين) .