الصفحة 134 من 159

(قَيُودَ العُبُودِيَّةِ: The Chains of Slavery) ، وهُوَ هُجُومٌ عَنِيفٌ عَلَى الحُكُوماتِ الأورُوبِيَّة بِاعْتِبَارِهَا مَجْمُوعَةً مِن المتَآمِرِينَ مِنَ المُلُوكِ واللّورْدَاتِ والإِكْليرُوسِ لِخِدَاعِ الشُّعُوبِ الأُورُوبِيَّةِ وَالاحْتِفَاظِ بِوَلائِهَا وَتَبَعِيَّتِهَا!.

وخَرَجَ فِيهِمْ أَمْثالُ (مِلْتُونَ) الذي عاشَ بَينَ عامِي (1608 وَ 1674) يَقول: لأَنْ تَكُونَ حُرًّا، هُوَ بِالضَّبْطِ أَنْ تَكُونَ تَقَيًا عَاقِلًا عَادِلًا مُعْتَدِلًا مُكْتَفِيًا بِذَاتِكَ!، لا تَمُدُّ يَدَيْكَ إِلَى مَا بِأّيْدِي النَّاسِ!، وَقُصَارَى القَوْلِ: أَنْ تَكُونَ شَهْمًا رَحْبَ الصّدْرِ شُجَاعًا، أَمّا إِذَا تَجَرَّدْتَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَوْ كُنْتَ عَلَى نَقِيضِهِ؛ فَإِنّكَ لَنْ تَعْدُوَ أَنْ تَكُونَ عَبْدًَا رَقِيقًَا!، وَقَدْ حَكَمَ اللهُ عَلَى الأُمَّةِ التِي لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْكُمَ نَفْسَهَا وَتُدَبِّرَ أُمُورَهَا بِنَفْسِهَا؛ وَالتِي اسْتَعْبَدَتْها شَهَواتُهَا؛ بِأَنّهَا لاَبُدَّ أَنْ تَسْتَسْلِمَ لِسُلْطانِ غَيْرِهَا!!؛ فَتَقَعَ فِي ذُلِّ العُبُودِيَّةِ بِإِرَادَتِها وَضِدِّ إِرَادَتِهَا مَعًا!.

وأَحْفَظُ كَثِيرًا مِن كَلامِهِمْ هذا مَعْناه، وقَرَأتُ أنَّ كِفاحَهُمُ الطويلَ الذي دَامَ نَحْوَ أرْبَعَةَ قُرُونٍ انْتَهَى بِهِمْ إلَى الخَلاصِ مِما كانُوا فِيهِ، غَيْرَ أَنَّنِي لَما رَأَيْتُ أُمَّتَنا قَدْ طالَ عَلَيْها الأَمَدُ بِما هِي فِيهِ؛ وأَنَّ الأُمَمَ الأَوْرُوبِيَّةَ قَدْ بَلَغَتْ شَاوًَا بَعِيدًا فِي أَفانِينِ العِلْمِ وضُرُوبِ المَعْرِفَةِ، ورَأَيْتُنَا نَحْنُ وقَدْ وقَفَتْ بِنَا حَرَكَةُ الحَياةِ!! عِنْدَ عَقَبَاتٍ لَمْ نَسْتَطِعْ تَجَاوُزَها، أَدْرَكْتُ أَنَّ بَينَنا وبَيْنَ اللحاقِ بالقَوْمِ فَضْلًا عَنْ مُساواتِهِمْ مَراتِبَ ما لَنا إلَى بُلُوغِها مِن سَبيلٍ، وكانَ أمْرُ اللهِ مَفْعُولا!!.

-ما ذَكَرْتَهُ أولًا يا (ياقُوتُ) إشَارَةٌ إلَى كَبِدِ الحَقِيقَةِ، بَيْدَ أَنَّنِي أُذكِّرُكَ بَأنَّ وُقُوفَنا عَلَى تَوارِخِ تِلكَ الأَقْوامِ؛ إنَّما هِي للاعْتِبارِ بِسُنَنِ اللهِ الكَوْنِيَّةِ والاجْتِماعِيَّةِ فِي الدُّولِ والأُمَمِ، والتِي يَغفُلُ الناسُ عَنْها بِطَبْعِهِمْ إِلاَّ أَفْذاذًا مِنْهُمْ فِي كُلِّ زَمانٍ ومَكان.

أَما أنْ نَجْعَلَ مَوازِينَهُمْ أَصْلًا نَزِنُ بِهَا مِن أَعْمالِنا ما لَنا وما عَلَيْنا؛ دُونَ أنْ نُراعِيَ الفُرُوقَ الجَوْهَرِيِّةَ التِي يُوجِبُها دِينُنَا وتَارِيخُنا وحَضارَتُنا فذلكَ ظُلْمٌ لأنْفُسِنا قَبْلَ غَيْرِنا، فَإِنَّ دِينَنا بِحَمْدِ اللهِ لَمْ يَكُنْ فِي يَوْمٍ مِن الأَيامِ عائِقًا دُونَ أّيِّ تَقَدُّمٍ عِلْمِيٍّ أَوْ رُقِيٍّ حَضارِيٍّ فِيهِ سَعادَةُ الأُمَّةِ بل البَشَرِيةِ كُلِّها، وَلا أَدَلَّ عَلَى ذلِكَ مِن المُقارَنَةِ بَيْنَ أثَرِ الإسْلامِ عَلَى البِلادِ التِي افْتَتَحَها المُسْلِمُونَ، بَلْ عَلَى أورُوبا نَفْسِها! مِن التقَدُّمِ العِلْمِي والصِنَاعِيِّ، بَلْ ومِن التَّطَوُّرِ الفِكْرِيِّ الذِي ساعَدَ أُورُوبا عَلَى الخُرُوجِ مِن قُيُودِ العُصُورِ الوُسْطَى، وبَيْنَ ما أَشَرْنا إلَيْهِ سابِقًا مِن آثارِ (الاسْتِعْمارِ) ومُخَلَّفاتِهِ عَلَى أُمَّتِنا وبِلادِنا، بَلْ إنَّ بَينَ الفَتْحِ الإسلامِي والاستِعْمارِ من الفُروقِ ما لا يَتَّسِعُ لَهُ الوَقْتُ الآن.

وزِدْ علَى هَذا أَنَّ ما تَعَرَّضَ لَهُ دِينُ الإسْلامِ وأُمَّةُ الإسْلامِ مِن الحَمَلاتِ والهَجَماتِ؛ لَوْ وَقَعَ بَعْضُهُ لأُمَّةٍ أَخْرَى لَكانَتْ نِهايَتُها الزَّوالَ والفَناء، أَمّا أَنْ تَصْمُدَ أَمامَ هَذا كُلِّهِ!، ثُمَّ تَتَخَلَّصَ مِنْهُ أَصْلَبَ عُودًَا وأَشَدَّ مِراسًا!!،فَقَدْ وَاجَهَ المُسْلِمُونَ خِلاَلَ تَارِيخِهِمْ أُمَمَ الأَرْضِ قَاطِبَةً مِنْ كُفَّارِ العَرَبِ وَالعَجَمِ!، مِنَ الرُّومِ والفُرْسِ والتُّرْكِ وَالبَرْبَرِ والهِنْدِِ والتتر وَغَيْرِهِمْ!، وَاسْتَطَاعَ الإسْلامُ فِي جَمِيعِها بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى - عَلَى ما أَصابَهُ مِنْها - أَنْ يَخْضِدَ شَوْكَتَهَا ويَرُدَّ عُدْوانَها!، حَتّى إِنّ كَثِيرًا مِنْ تِلْكَ الحمَلاتِ كَانَتْ سَبَبًا لتلاحُمِ المُسْلِمِينَ وَتَمَاسُكِهِم!، والأَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْتَوِيَ كَثِيرًا مِنْ أَعْدَائِهِ بَعْدَ أَنْ عَرَفُوا قِيَمَه وَمَبادِِئَهُ.

فَهَلْ مِنْ دَليلٍ عَمَلِيٍّ عَلى فَرْقٍ جَوْهَرِيٍّ بَينَ حَضارَتِنا وغَيْرِها مِن الحضَاراتِ؛ يَتَعَيَّنُ التَّنَبُّهُ لَهُ عَنْدَ الاعْتِبارِ بِقِراءِةِ التارِيخ؛ فَوْقَ هَذا الذِي ذَكَرْناه.

ومِن الجَهْلِ العَرِيضِ - ما يَصْنَعُهُ بَعْضُهُمْ - حَينَ يَجْعَلُ ما آلَ إلَيْهِ حالُ المُسْلِمِينَ فِي هذا العَهْدِ مِن الضَّعْفِ والتَّأَخُّرِ تُهَمَةً يَرْمِي بِها دِينَ الإسْلامِ وهُوَ مِنْها بَريءٌ!، بَلْ عَلَى مَن كانَ يَنْشُدُ الإنْصافَ ويَطْلُبُ الحَقِيقَةَ - وقَلِيلٌ ما هُم! -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت