الصفحة 133 من 159

أشارَ إلَيهِ (وِلْ ديورانَتْ) حَينَ يُقولُ عنْ حالِ البلادِ الهِنْدِيَّةِ: - (ونَقُولُ نَحْنُ: إنَّهُ لِيسَ خاصًا بالهِنْدِ وحَدَها، بَلْ تَناوَلَ كَلَّ بلادِ العالَمِ الإسْلامِيِّ التِي تَعَرَّضَتْ لِحَمَلاتِ هؤلاءِ الغَزاة) : وفي هذا سرُّ التاريخِ السياسِيِّ للهِنْدِ الحديثَة؛ فقَدْ مَزَّقَها الانْقِسامُ حَتى جَثَتْ أمامَ الغُزاةِ؛ ثم أَفْقَرَها هؤلاءِ الغُزاةُ؛ فأَفْقَدُوها قوّةَ المُقاوَمَة، فاسْتَجارَتْ مِنْ هذا البلاءِ بِعَزاءٍ في الحَياةِ الآخرة، ومِنْ هُنا راحوا يُؤْمِنُونَ بأَنَّ السيادَةَ والعُبُودِيَّةَ كِلاهُما وَهْمٌ زائلٌ!!، ويَعْتَقِدُونَ بأنَّ حُرِّيَّةَ البَدَنِِ أو حُرِّيَّةَ الأُمّةِ لا تَكادَانِ تَستَحقانِ الجِهادَ في مِثْلِ هذهِ الحَياةِ القصِيرة!!، وَالعِبْرَةُ المُرّةُ التِي نَسْتَخْلِصُهَا مِنْ هَذِهِ الماسَاةِ هِيَ أَنَّ اليَقَظَةَ السَّاهِرَةَ أَبَدًا هِيَ ضَمَانُ دَوَامِ المَدَنِيَّةِ؛ فَالأُمَّةُ يَنْبَغِي أَنْ تُحِبَّ السَّلاَمَ، لكِنَّهَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ دَوْمًا عَلَى أُهْبَةِ الاسْتِعْدَادِ للقِتَالِ. انْتَهى.

مَعَ التَنْبِِيهِ علَى أنَّ (وِلْ دْيُورانَتْ) قَدْ قالَ هَذا الكَلامَ عِقِبَ فَصْلٍ تَحامَلَ فِيهِ تَحامُلًا ظاهِرًا عَلَى الفاتِحِينَ المُسْلِمِينَ للِهِنْدِ!؛ ونَسَبَهُمْ إلَى الهَمَجِيَّةِ!؛ كَما سَمَّى السُّلْطانَ مَحْمُودًا الغَزْنَوِيَّ لِصًّا!!، وذلكَ كُلُّهُ خِلافُ ما تَقْتَضِيهِ الأَمانَةُ ويَقْتَضِيهِ البَحْثُ العِلْمِيُّ، ومَعَ ذلكَ فَقَدْ اسْتَعَرْنا هُنا كَلامَهُ مُجَرَّدًا عَنْ مَقاصِدِهِ التِي أرادَها؛ لِما فِيهِ مِن العِبْرَةِ ومُوافَقَةِ ما نَحْنُ فِيه!، و وإِلاَّ فَمَنْ تَعَزَّى بالآخِرَةِ حَقَّ العَزاءِ كانَ ذلكَ حامِلًا لَهُ علَى الجِهادِ لإعْلاءِ دِينِهِ ومَصالِحِ أُمَّتِهِ، وذلكَ عَلامَةُ الإيمان.

لَمْ يَكُنْ هَذا الحَديثُ الذي سَمِعَهُ (يَاقُوتُ) وأصْغَى إلَيْهِ بِجَوارِحِهِ وَجَوانِحِهِ لِيَمُرَّ عَلَيْهِ مُرُورَ الهَباءَةِ فِي فَمِ الرِّيح، فَقَدْ أَتَى علَيْهِ حِينٌ طَويلٌ مِن الدَّهْرِ وهُوَ يَرْقُبُ تَصارِيفَ الدُّنْيا وتَقَلُّبَاتِهَا، كَما يَرْقُبُ تَفُكُّهَهَا بالأنامِ تَرْفَعُهُمْ طَوْرًا وتَخْفِضُهُمْ طَورا!، فَحَفِظَتْ ذاكِرَتُهُ كَثِيرًا مِن الحَوادَثِ التِي جَعَلَتْهُ يُوازِنُ بَيْنَها وبَيْنَ ما سَمِعَهُ مِن حَديثِي، فَلَمْ يَزَلْ يَذْرِفِ العَبَراتِ أرْسالًا تَجِيشُ مَعَها مَشاعِرُهُ كَما يَجِيشُ أَدَبُ البَحْرِ (وهُوَ ماؤُهُ الكَثِير) !، فَلَمّا بَلَغْتُ مِن حَديثِي هَذا الموْضِعَ؛ صَمَتُّ بُرْهَةً أَسْتَنْبِئُ خَبَرَهُ!، فَرَدَّ مِنْ أَحْشائِهِ زَفْرَةً خِلْتُها انْتِفاضَةَ المُحْمُومِ!!، ثَمَّ قَالَ:

-الآنَ حِينَ حَضَرَنِي ما قَرَاتُهُ مُنْذُ زَمَنٍ لَيْسَ بالبَعِيدِ عَنِ الأُمَمِ الأورُوبِيَّةِ وَأَنَّها فِي عُصُورِها الوُسْطَى التِي تُعْرَفُ بِعُصُورِ الظلامِ كَانَتْ تَحْيا الذِي نَحْياهُ نَحْنُ اليَوْم، حِينَ تَأثَّرَتْ دِيانُتُها النَّصْرانِيِّهُ بالفَلْسَفاتِ الهِنْدِيَّةِ والشَّرْقِيَّةِ القَدِيمَةِ أَيْضاَ، فَكانَتْ تُؤْثِرُ تِلْكَ الفَلْسَفاتِ التِي كَبَّلَتْها بِقُيُودِها عَلَى التَّحَرُّرِ مِنْ سُلْطَةِ الكَهَنَةِ والانْتِفاعِ بالعِلْمِ، حَتَّى عَدَّ بَعْضُ كِبارِ المُؤَرِّخِينَ الدِّيانَةَ النَّصْرانِيَّةَ هَذهِ بِما خالَطَها مِن تِلْكَ الفَلْسَفاتِ مِن أَهَمِّ أسْبابِ سُقُوطِ الدَّوْلَةِ الرومانِيَّةِ، لأَنَّهَا جاءَتْ لأُمَّةِ الرومانِ بالتَّصَوُّفِ المُوهِنِ فَأدْخَلَتْهُ فِي الرُّوَاقِيَّةِ الواقِعِيَّةِ التِي كانَتْ مِن خَصائِصِ الحَياةِ الرُّومَانِيَّةِ كما قَال، فَصَدَّت الناسَ عَنْ واجِباتِهِمْ وأضْعَفَتْ عَزائِمَهُمْ وحَملَتْهُم عَلى الاهْتِمامِ بالنجاةِ الفَرْدِيَّةِ بَدَلَ السعْي لِخَلاصِ الأُمَّةِ والتفانِي فِي الدفاعِ عَنْها!، كما حَطَّمَتْ وِحْدَةَ الأمةِ، ورَفَعَتْ شِعارَ المُناداةِ بِمَبَادِئِ السلامِ وتَرْكِ مُقاوَمَةِ العَدُوِّ فِي الوَقْتِ الذِي كانَتْ فِيهِ الأُمّةُ الرُّومَانِيّةُ وَأَبَاطِرَتُها العَسكَرِيونَ الذينَ يُدافِعُونَ عَنْها أَحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلَى تَقْوِيةِ الروحِ الحرِبِيّةِ التِي تَضْمَنُ لَهُمُ الخَلاصَ والبَقاء!.

وبَقَيَتْ آثارُ هَذِهِ المَفاهِيمِ إلَى ما عُرِفَ بِعَصْرِ الثَّوْرَةِ فِي أُورُوبا، حَيْثُ سَعَى زُعَماؤُها إلَى تَخْلِيصِها مِن تِلْكَ المَفاهِيمِ، وكَتَبَ مَثَلًا (جانْ بُوْلْ مَارَا: Jean - Paul Marat) - الذي كانَ قَدْ دَرَسَ الطبَّ فِي بارِيسَ ومارَسَهُ فِي لَنْدَنَ؛ ثُمَّ عادَ إلَى بارِيسَ واشْتَهَرَ بِعِلاجِ الرِّئَةِ وَفِي طِبِّ العُيُونِ، وَنَشَرَ بُحُوثًا فِي الكَهْرُباَءِ والضَّوْءِ وَالبَصَرِيَّاتِ وَالنَّارِ - كِتابَهُ الذيِ أَسْماهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت