الصفحة 132 من 159

بَطِيئًا!، وَ فِي قَوانِينِ حُمُورَابِي التي كانَتْ تَحْكُمُ بِقَطْعِ أصابِعِ الطَبِيبِ إذا أخْطَأَ فِي عَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيَّةٍ!، وعلَى الزَّوجَةِ التِي تُقَصِّرُ فِي شُؤُونِ بِيتِها بإلقائِها في الماءِ وتَغْرِيقِها!، وفِي الحُكُومَةِ الآشُورِيَّةِ التِي كانَتْ تَتَخَلَّصُ مِن آلافِ الأسْرَى بإرْسالِهِمْ إلَى الحَلَبَةِ الكُبْرَى ثُمَّ تَسَلِّطُ عَلَيْهِم السباعَ الضارِيَةَ الجائِعَةِ!، وفِي قَوانِينِ الدولَةِ الفارِسِيَّةِ القَدِيمَةِ التِي وَضَعَ فِيها مَلِكُها (أَرْتَ خَشْتَرَ الثانِي) ما سَمَّاهُ (عِقابَ الزَّوْرَقَيْن) !؛ وهُوَ عِقابٌ يَكادُ يَفُوقُ الخَيالَ!، وبِهِ قَتَلَ الجُنْدِيَّ (مَرْثَدانْسَ) لأَنَّهُ قالَ: إنَّ الفَضْلَ فِي قَتْلِ (قورَشَ الأصْغَرَ) فِي واقِعَةِ (كُوناكْسا) لَهُ ولَيْسَ للمَلَك!، وقارِنْ إنْ شِئْتَ بَيْنَ هَذا؛ وبَيْنَ ما صَنَعَهُ الغُزَاةُ الجُدُدُ الحُمْرُ - واضْمُمِ المِيمَ كَذاكَ تُصُبِ - بالنَّظَرِ فِي كِتابِ (الاسْتِعْمار - أَحْقادٌ وأطْماعٌ) لِمُحَمَّدِ الغزالِي.

ولَيْسَ الأَمْرُ خاصّا بِفِلَسْطِينَ وحَدَها!، فَدُونَكَ ما حَكاهُ الأَمِيرُ (شَكِيبُ أرْسَلانُ) عَمَّنْ رافَقَ الإيطالِيِيِّنَ الغُزاةَ مِن المُراسِلِينَ فِي ليبْيا، ومِنْهُم (فرانْسِس ماكُولا) الإنْجلِيزِيُّ الذي كَتَبَ كِتابًا حادَّ اللهْجَةِ إلِى الجِنِرالِ (كانِيفا) يَستَنْكِرُ ما رَآهُ مِن الجَيْشِ الإيطالِيِّ مِن الجَرائمِ والفظائعِ فِي طرَابُلْسَ ويَقُولُ لَه: إِنِّي أَرْفُضُ البَقَاءَ مَعَ جَيْشٍ لا أَعُدُّهُ جَيْشًا؛ بَلْ عِصَابَةً مِنْ قُطّاعِ الطُّرُقِ والقَتَلَةِ)!، وَكانَتْ الإغارَةُ عَلَي طَرابُلْسَ كما قالَ (شكيبُ) بِالاتِّفَاقِ مَعَ فَرَنْسَا وَإِنْجِلْتِرَا؛ اسْتِرْضَاءً لإِيطَالْيا عَلَى إِثْرِ تَقَاسُمِ إِنْجِلْتِرَا وَفَرَنْسَا مِصْرَ والمَغْرِبَ!!، وقَدْ شِهِدَ بِجَرائِمِ الإيطالِيينَ هَذهِ آخَرُونَ؛ مِنْهُمُ الكاتِبُ الأَلْمَانِيُّ (فُونْ غُوتْبِرْغْ) ، وَ (هِرْمَانْ رُنُولُوفْ) المُرَاسِلُ النَّمْسَاوِيُّ، وَ (كَسِيرَا) مُراسِلُ جَرِيدَةِ (إِكْسِلِيسْيُورْ) البَارِيِسِيَّةِ، مِمّا جَعَلَ مُراسِلَ (التايْمزِ) يَقولُ: إِنَّ قَسْوَةَ الانْتِقَامِ التِي اسْتَعْمَلَهَا الطِّلْيانُ فِي وَقْعَةِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ؛ يَلَيقُ أَنْ يُقَالَ عَنْهَا: إِنَّهَا أَعْمَالُ قَتْلٍ عَامٍّ، فَقَدْ فَتَكُوا بِكَثِيرٍ مِنَ الأَبْرِيَاءِ!؛ وَسَتَبْقَى ذِكْرَى هَذَا الانْتِقَامِ زَمَنًا طَوِيلًا!!.

ولَيْسَ دُونَ ذلكَ ما فَعَلَهُ الفِرَنْسِيُّونَ فِي الجزائرِ!، ولا هُمْ والإنْجِلِيزُ فِي مِصْرَ والسودَان!، ولا الغُزاةُ الأُورُبِيُّونَ فِي غَرْبِ أَفْرِيقْيا وَوَسَطِها الذِينَ كانُوا يَحْمِلُونَ آلافَ الأَفارِقَةِ مِن الرجالِ والنِّساءِ والصِّبْيانِ - وكَثِيرٌ مِنْهُمْ مِن المُسْلِمين - فِي سُفُنِهِمْ مُقَيَّدِينَ بالسَّلاسِلِ إلَى بِلادِهِمْ، حَيْثُ يُكَلّفُونَهْمِ بِما يَشُقُّ مِن الأعْمالِ، وَيَعُدُّونَهَمْ مِن جِنْسِ الحَيَوانِ؛ بلْ دُونَهُ!، فَلا يُؤاكَلُونَ ولا يُشارَبُونَ ولا يُخالَطُونَ، مَعَ أَنَّ بِريطانْيا كانَتْ قَدْ وقَّعَتْ عَلَى اتِّفَاقِيَّةٍ فِي عَامِ (1820) يَنُصُّ أَحَدُ مَوْضُوعاتِها عَلَى أَنَّ نَقْلَ العَبِيدِ مِنَ أَفْرِيقِيَا فِي السُّفُنِ يُعْتَبَرُ مِنْ أَعْمَالِ القَرْصَنَةِ البَحْرِيَّةِ، بَعْدَ أن ... اسْتَطَاعَ (كابْتِنْ تُومْبسُون) وكانَ مُتَحَمِّسًا لِدَعْوى مَنْعِ تِجَارَةِ الرَّقِيقِ أَنْ يُقْنِعَ (الِجنِرَالَ كِير) بِذلكَ، وفِي سَنَةِ (1414) رَأَيْتُ جَماعَةً مِنْهُمْ فِي بِلادِ السِّنْدِ وهُمْ سُودٌ أفارِقَةٌ يَتَحَدَّثُونَ السِّنْدِيَّةَ كَاهْلِها!؛ فَعَجْبْتُ لِذلكَ، حَتَّى أَخْبَرِنِي بَعُضُهُمْ أنَّ أجْدادَهُمْ مِمَّنْ حَمَلَتْهُمْ السفُنُ الحَرْبِيَّةُ البرِيطانِيةٌ مُصَفَّدينَ فِي الأغْلالِ مِنْ أَفْرِيقْيا!؛ وكانُوا يُقَدِّمُونَ لَهُمْ (الحَشائِشَ وَالبَرْسِيمَ) طَعامًا!، فَلَما وَصَلَتْ السُّفُنُ فِي طَرِيقِها إلَى مَوانِئِ هَذهِ البِلادِ للتَّرَوُّدِ بِما يَحْتاجُونَهُ فِي بَقِيَّةِ سَفَرِهِم؛ كانَ أجْدادُهُمْ قَدْ أُصِيبُوا بالمَرَضِ والإعْياء، فَأنْزَلُوهُمْ إلَى هَذهِ البِلادِ، فَأقامُوا فِيها؛ وهُؤلاءِ مِن نَسْلِهِمْ!.

وهَكَذا صَنَعُ الغُزاةُ هؤلاءِ فِي الهِنْدِ، فَقَرَّبُوا الهَنادِكَةَ والسيخَ يَستَعِينُونَ بِهِمْ علَى مُسْلِمي تِلْكَ البلادِ، بَعْدَ أنْ أعْلَنَ الحاكِمُ البَرِيطانِيُّ هُناكَ أَنَّهُمْ خَطَرٌ يَهَدِّدُ مَصالِحَها؛ وَانْتَزُعُوا أَراضِيَهُمْ حَتى لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مِنْها سِوى خَمْسَةٍ فِي المائِةِ مِنْ مَجْمُوعِ أمْلاكِهم، ولَمْ يَزالُوا بالبِلادِ حَتَّى غادَرُوهَا بَعْدَ صِراعاتٍ دامِيَةٍ مُفَرَّقَةَ الأَوْصالِ مُنْهَكَةَ القُوى.

وَهَذا الذي حَكَيتُهُ لكَ أمْثِلَةٌ لِما وَقَعَ فِي بَقِيَّةِ بِلادِنا الإسْلامِيَّةِ، حَتَّى انتَهَى بِهِمْ حالُهُمْ إلَى ذُلِّ مُسَلَّطٍ علَيْهِمْ لا يُنْزَعُ عَنْهُمْ إلا أنْ يُراجِعُوا دِينَهُمْ وجِهادَهُمْ كما أخْبَرَ الصادِقُ المَصْدُوقُ صلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ علَيه، وَأفْضَى بِهِمَمِهِمْ إلَى البَحْثِ عَنْ عَزاءٍ يُخادِعُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ عَما أَصابَهُمْ مِن القَهْرِ والضعْفِ والحِرمان؛ فَلَجَأُوا إلَى ذَمِّ الدُّنْيا وملاذِّها، والتَّذَرُّعِ بِفَنائِها وسُرْعَةِ زَوالِها، وأَنَّها ساعاتٌ وتَنْقَضِي، عَلَى نَحْوِ الكَلامِ الذي قَلْتَهُ أنْت!، وَهذا هُوَ الكَلامُ الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت