وَالفَتْحُ العُثْمانِيُّ للقُسْطَنْطِينِيَّةِ كانَ فِي الوقْتِ نَفْسِهِ حافِزًا للأُمَمِ الأورُوبِيَّةِ علَى التَّطَلُّعِ إلَى العالَمِ الإسلامِيِّ والكَشْفِ عَنْ مَجاهِيلِهِ وخَيْراتِه، لِلّذِي أرادَ اللهُ تَعالَى لَهُ مِن تَداعِي الأُمَمِ علَيْهِ تداعِيَ الأكَلَةِ إلَى قَصْعَتِها! بِما يَتْرُكُونَهُ مِن أَسْبابِ القُوَّةِ التِي تُحْفَظُ بِهَا الأُمَمُ والدُّول، فَما قَضَى الأُورُوبِيُّونَ ما قُدِّرَ لَهُمْ مِن العَمَلِ والسعْي لإسْبابِ القُوَّةِ - مِنْ أنْواعِ العُلُومِ والصِّناعاتِ، وما عَرَفُوهُ عَنِ العالَمِ الإسْلامِيِّ وبُلْدانِهِ، والطُّرُقِ المُوصِلَةِ إلَيهِ، وحَالِ الأُمَمِ التِي تَسكُنُهُ، وما فِيهِ مِن الخَيراتِ عَن طَرِيقِ الرَّحَلاتِ الجُغْرافِيةِ التِي قامَ بِها أمْثالُ (فاسكُوديجاما) ضابِطُ البَحْرِيَةِ البُرْتُغالِي؛ الذي عاشَ تَقْرِيبًا بِينَ عامَي (1469 وعام 1524) للمِيلادِ؛ وهُوَ أَوَّلُ مِن وَصَلَ إلَى الهِنْدِ مِن أوروبّا؛ والذِي يَعْرِفُ كَثِيرُونَ مِنّا أَنَّهُ مِن عُظماءِ الرَّحالَةِ المُكْتَشِفِين!، ولا يَعْرِفُونَ أَنَّهُ شَارَكَ فِي الحُرُوبِ الصَّلِيبِيةِ التِي أَطاحَتْ بالمَمْلَكَةِ الإسلامِيَّةِ فِي (قَشْتالَةَ) مِن بلادِ الأَنْدَلُس!!، وَ (دِي ماجِلان: Ferdinand Magellan ) بَيْنَ عامَي (1480 و 1521) وَهُو مَلاَّحٌ أسْبانِيُّ بُرْتغاليُّ المَولِدِ؛ اكْتَشَفَ الطريقَ مِن أَورُوبا إلَى جُزُرِ الهِنْدِ الشرْقِيَّةِ؛ وشاركَ فِي غَزْوِها مَعَ الأُسْطُولِ البُرْتُغَالِيِّ؛ وجُرِحَ فِي المَعْرَكَةِ مَرَّتَينِ!، ثُمْ (كُولومْبوس: Christopher Columbus) الذِي عاشَ بَينَ عامَي (1451 إلى 1506) وهُو مَلاّحٌ أسْبانِيٌّ إيطالِيُّ المَولِد؛ وكانَ قَدْ أبْحَرَ غَرْبا عَبْرَ المُحِيطِ الأطْلَسِيِّ للبَحْثِ عن طِريقٍ إلَى آسْيا بَعِيدًا عَنْ الطرُقِ التِي يُسَيْطِرُ علَيْها المُسْلِمُون، وكانَ هَذا هُوَ الهَدَفَ مِن رِحْلَتِهِ أَصْلا!؛ لَكِنَّهُ وَصلَ إلَى الأمْرِيكَتَيْنِ بَدَلًا مِن ذلك، ومَعَ هذا فَقَدْ اعْتَبَرَ الأورُوبِيُّونَ رَحَلاتِهِ الكَشْفِيَّةَ مِفْتاحًا مُهِمًّا أمامَ حَرَكَةِ الاسْتِعْمارِِ الأوروبِيِّ بِعْدَ ذلك.
كَما اسْتَفادُوا مَعْرَفَةَ أحْوالِ العَالَمِ الإِسْلامِيِّ عَنْ طَريقِ البِعْثاتِ الدبْلُوماسِيَّةِ! وطَوائِفِ المُنَصّرِينَ والمُسْتَشرِقِين -، وكَانُوا قَبْلَ ذلكَ فِي القَرِنَينِ الثانِي والثالِثِ عَشرَ المِيلادِيَّيْنِ قَدْ قَامُوا بِحَرَكَةِ تَرْجَمَةٍ وَاسْعَةٍ لِعُلُومٍ أَخَذُوها عَنِ المُسلِمين، أقُولُ: ما قَضَى الأورُوبِيونَ هذا حَتَّى كانَتْ الأُمَمُ الإسْلامِيَّةُ قَدْ بَلَغَتْ مِن الضَّعْفِ غَايَةً جَعَلْتْها مَطْمَعًا لِهُؤُلاءِ الغُزاة!.
ولَمْ يَكُن الغَزْوُ فِي هَذهِ المَرَّةِ علَى شاكِلَةِ ما سَبَقَ، لأنَّهُ صحِبَهُ فِيها التَّقَدُّمُ العِلْمِي والصِّناعِيُّ؛ واسْتُخْدِمَ كُلُّ ذلكَ فِي تَحْصِيلِ أهْدافِ الغُزاةِ، وكانَ مِنْ أكْبَرِ أَسْبابِ الغَزْوِ هذا - فَوقَ نَهْبِ خَيراتِنَا - أنْ يَجِدَ الأورُوبِيُّونَ سُوقًا لِتَسْويِقِ بِضائِعِهِمْ التِي أَنْتَجَها الانْقِلابُ الصِّناعِيُّ فِي بِلادِهِمْ بَعْدَ الانْقِلابِ التجارِي الذي حَدَثَ أَيّامَ الرَّحالَةِ (كُولَمَبْ) !، فَصارَتْ البَضائِعُ الأورُوبِيَّةُ تُحْمَلُ إلَى بِلادِنا، والمَوادُّ الأَوَّلِيَّةُ (الخام) تُحْمَلَ مِنْ بِلادِنا إلَيْهِم، فَوَقَعَ بِسَبِبِ ذلكَ فِي أُمَمِنا عَيْنُ ما ذكَرْناهُ فِي كَلامِنا السابِقِ عَنْ أُمَمِ الهِنْدِ القَدِيمَةِ، فَإنَّ الغُزاةَ الجُدَدَ المُتَحَضِّرِينَ!! هَؤلاءِ؛ أَذاقُوا الناسَ صُنُوفًا وأَلْوانًا مِن العَذابِ والهَوانِ؛ مَعَ ما أَصابَهُم مِنَ الفاقَةِ والمَرَضِ والجَهْلِ!، ولَولا أَنَّني أكْرَهُ الضغْطَ علَى الجِراحِ ومَواضِعِ الأَلَمِ - لِمَا يَلْزَمُ عَنْهُ مِنْ آثارٍ لا تُحْمَدُ - لَذَكَرْتُ مِنْ صَنائِعِ الهَمَجِ المُتَحَضِّرِينَ! بِأُمَّتِنا ما عَساهُ يَسْتَغْرِقُ لَيلَ مُسامَرَتِنا كُلَّه!، وإنْ كانَ التَّغاضِي عَنِ الجِراحِ جُمْلَةً وتَناسِيهَا - خَاصَّةً إنْ كانَتْ فِي مَحَلِّ خَطَرٍ مِن الجَسَدِ - لَيْسَ مِن صَنِيعِ مَهَرَةِ الأطِبَّاءِ فِي شَيءٍ، بَلْ الشُّعُورُ بالأَلَمِ فِي أجْسادِنا نِعْمَةٌ كُبْرَى! مِن اللهِ تعالَى تَحْمِلُنا عَلَى طَلَبِ الدَّواءِ والشِّفاءِ فِي مَظانِّهِما، وما غَضُّ الطَّرْفِ عَنْ ذَلكِ وتَغافُلُنا عَنْهُ وقَبْضُ أَيدِينا عَنْ مُعالَجَتِهِ مَعَ بَقائِهِ فِي الجَسدِ وظُهُورِ آثارِهِ إلاَّ الفَناءَ العاجِلَ والمَوْتَ المُحَتَّمَ!.
وَهَاكَ مَا صَنَعَ الإنْجِلِيزُ بِأَبْناءِ فِلَسْطِينَ قَبْلَ سَنَةِ (1948) ! أَي قَبلَ أنْ يُسْلِمُوا بِلادَهُمْ للَيَهُودِ؛ وقَد اسْتَخْدَمُوا ما جَلَبُوهُ مِن العِلْمِ وأَدَواتِهِ!! فِي إلْحاقِ الأذي بِهِمْ أُمَّةً وأفرادا؛ وعَنْهُمْ أَخَذَ اليَهُودُ وَأشْباهُهُمْ فِي بِلادِنا! صُنُوفَ ذلكَ وأَلْوانَهُ مِمَّا لا تَسْمَعُ بِمْثْلِهِ إلاَّ عِنْدَ الفراعِنَةِ قَدِيمًا فِي مجالِس الحُكْمِ المَحَلِّيَّةِ فِي المُقاطَعاتِ أو المَحاكِمِ العُلْيا التي كانَتْ فِي (مَنَفٍ) و (طَيْبَةَ) و (عَيْنِ شَمْسٍ) والذينَ كانُوا يَحَنِّطُونَ المُعاقَبَ حَيًّا! أوْ يُحِيطُونَ جَسدَهُ بِمادَّةٍ كِيماوِّيَّةٍ تَأكُلُ جَسدَهُ أكلًا