ثُمَّ لَما كَتَبَ اللهُ تعالَى لِهَذهِ الأُمَمِ أَنْ يَدْخُلَ كَثِيرُونَ مِنْها دِينَ الإسلامِ أفْواجًا؛ انْتَقَلَتْ مَعَهُمْ هَذهِ المَفَاهِيمُ وآثارُها علَى الفَرْدِ والمُجْتَمَعِ إلى بَقِيَّةِ الأَمَمِ الإسْلامِيَّةِ!، حَتَّى كانَتْ فِي كَثِيرٍ مِن الأَحْيانِ عَوْنًا لِهَؤُلاءِ الغَزاةِ فِي القَدِيمِ والحَديثِ!؛ لأَنَّها قَعَدَتْ بالناسِ عَنْ مَقاوَمَةِ العُدْوانِ ودَحْرِ المُعْتَدِينَ، كَما وقَعَ فِي بَغْدادَ حِينَما سَقَطَتْ فِي أَيْدِي التّتارِ فِي سَةِ (656) للهِجْرَةِ حَيْثُ كانَ الناسُ علَى شاكِلَةِ مُلُوكِهِمْ مُنْصَرِفِينَ إلَى الدَّعِةِ واللهْو؛ فَلَمْ يُعِدُّوا لِمِثْلِ هَذهِ الحَوادِثِ والأَيامِ عُدَّتَها، بَلْ كانَ مِنْهُمْ لما وقَعَ ما وَقعَ لَجَأُوا إلَى المَقابِرِ يَطُوفُونَ حَولَها!، وإلَى الأولِياءِ يَسْتَغِيثُونَ بِهِمْ، بَدَلَ أنْ يَلَجَأُوا إلَى ما أَمَرَ اللهُ تعالَى بِهِ مِنْ تَوحِيدِهِ والأَخْذِ بِأًسْبابِ القُوَّةِ التِي يَدْفَعُونَ بِها غَوائلَ المُعْتَدِينَ، ومِثْلُ هَذا حَدثَ فِي مِصْرَ أيامَ الحَمْلَةِ الفِرَنْسِيَّةِ علَيْها فِي أواخِرِ القَرْنِ الثامِنِ عَشَرَ المِيلادِي حِينَ لَجَأَ آلافُ الناسِ ومِنْهُمْ الأعْيانُ والمشايخُ والطلابُ إلَى الأَزْهَرِ يَعْتَصِمُونَ بالذِّكْرِ والأورادِ! حَتَّى وَقَعْت البِلادُ فِي قَبْضَةِ الغَزاةِ فَأذاقُوهُمْ مِن الويْلاتِ صُنُوفًا وأَلْوانًا؛ مِمَّا تَقْرَأُهُ مُفَصَّلًا فِي (عَجائِبِ الآثارِ) للجَبَرْتِيِّ؛ وفِي (حِلْيَةِ البَشَرِ) لِعَبْدِ الرزاقِ البَيْطارِ، والفِرَنْسِيُّونَ فِي كُلِّ ذلكَ يَخادِعُونَ الناسَ بِمَعْسُولِ الكَلامِ! وهُمْ يُسِرُّونَ حَسْوًا فِي ارْتِغاءٍ، وللهِ عاقِبةُ الأمور.
-وما الذي تَرْمِي إِلَيْهِ مِنْ وَراءِ ذلكَ يا سَيدِي؟.
-إِنَّ بِلادَنَا يا (ياقُوتُ) - وأَعْنِي بِلادَ العالَمِ الإسْلامِيِّ - لَمْ يَقَعْ فِي التارِيخِ كُلِّهِ أنْ تَعَرَّضَتْ لِما تَعَرضَتْ لَهُ مِن الغَزْوِ الذِي شَمِلَ جَمِيعَ نَواحِيهِ فِي القَرْنَينِ الأَخِيرَينِ خاصَّةً!، وقَبْلَ ذلكَ تَعَرَّضَتْ لِحَمَلاتٍ كَثِيرَةٍ؛ نَعَمْ، لَكِنَّها كانَتْ تُدْحَرُ فِي كُلِّ مَرَّةً، كَما كانَتْ القُوَّةُ الجَسَدِيَّةُ للأُمَّةِ؛ والقُوَّةُ المَعْنَوِيَّةُ فِيها لا تَزَالُ بالقَدْرِ الذِي تَسْتَطِيعُ بِهِ مُقاوَمَةَ الغُزاة، فَلَما سَقَطَت الأنْدَلُسُ بِأيدِي الصلِيبِيينَ فِي المغْرِب فِي الوَقْتِ الذي دخَلَ العُثْمانِيُّونَ القسطَنْطِينِيَّةَ فِي المشْرِقِ سَنَةَ (857) للهِجرَةِ؛ أو (1452) للميلاد، وسَقَطَ الحِصْنُ الذي كانَ يَحْمِي أوروبا مِن هَجَماتِ العُثْمانِيينَ؛ وَ رَأى الأَوْرُوبِيّونَ أنَّهُمْ عَبَرُوا البَلْقانِ إلَى أبوابِ (هَنْغاريا) ؛ وهالَ البابَوِيَّةَ سُرْعَةُ تَحَوِّلِ الناسِ مِن سُكانِ جُنُوبِ شَرْقِي أورُوبا إلَى الإسلام، وقَضَى العُثْمانُِّونَ عَلَى الإِمَارَاتِ المسِيحِيَّةِ فِي الأَنَاضُولِ؛ وتَحَوَّلَتْ آسْيَا الصُّغَرَى إَلَى مَنَاطِقَ عُثْمَانِيَّةٍِ، وَشَرعَ مُحُمَّدُ الفاتِحُ يُعِدُّ العُدَّةَ للاسْتِيلاَءِ عَلَى رُومَا مَقَرِّ البَابَوِيَّةِ، بَعْدَ أنْ أَقْسَمَ باللهِ أَنْ يُطْعِمَ حِصَانَهُ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى مَذْبَحِ الكَنِيسَةِ فِي رُومَا!؛ وقَدْ أفْزَعَ ذلكَ الأُمَمَ المَسِيحِيَّةَ كُلَّها فَلَمْ تَخِفَّ عَنْهُمْ وطْأَتُهُ إِلاّ بَعْدَ وَفَاتَهِ عَامَ (886) للهِجْرَةِ أَوْ (1481) للمِيلاد، وأصْبَحَتْ طُرُقُ التجارَةِ البَحْرِيَّةِ بأَيْدِي الفاتِحِينَ المُسْلِمين بَعْدَ أنْ أَصْبٍَحَ البَحْرُ الأسْوَدُ بُحَيْرَةً عَثمانِيَّةً، فَكانَ ذلكَ بِدايَةَ التَّحَوُّلِ فِي العالَمَينِ الإسْلامِيِّ والأورُوبِيِّ النصرانِي، فَوَقَعَ ما جَرَتْ بِهِ سُنَّةُ اللهِ تَعالَى فِي الأُمَمِ والدُّولِ كَما ذكَرَ ابنُ خَلْدُونَ رَحِمَهُ اللهُ، وأنَّها يَتَكامَلُ نُمُوُّها إلى أنْ تَبْلُغَ الغايَةَ المَكْتُوبَةَ لَها ثُمَّ تَعُودُ وتَاخُذُ فِي الانْحِدارِ نَحْوَ الضعْفِ إلَى أنْ يَقْضِيَ اللهُ تعالَى فِيها أَمْرًا كانَ مَفْعُولا، وإنَّما بَدَأَ ذلكَ فِي الأمَمِ الإسلامِيةِ بَعْدَ فَتْحِ القِسطَنْطِينِيَّةِ الذي ذكَرْناهُ، خَاصَّةً أَنَّهُ حَمَلَ الأورُوبِيِّينَ علَى التّالِيبِ علَى حَرْبِ العُثْمانِيِّينَ حَذراَ مِن زَحْفِهِمْ إلَى بَقِيَّةِ بِلادِ أَوْرُوبا!، فاشْتَغلُوا بِالحَرْبِ مَعَ (الصَّفَوِيِيِّنَ) مِنْ جِهَةِ!، ومَعَ (رُوسْيا وإِيطاليا والنّمْسا وَبُولُونِيا) مِن جِهَةٍ أُخْرى!، ولَمْ تَزَلْ هذهِ الحُروبِ حَتَّى انْتَهَتْ بالعُثْمانِيِّينَ إلَى مَعاهَدَةِ (كارْلُوفِتْشَ) فِي الشهْرِ الأوَّلِ مِن عامِ (1699) للمِيلاد، والتِي قَضَتْ بِتَنازُلِ الدَّوْلَةِ العَثْمانِيَّةِ عَن كَثِيرٍ مِن الأراضِي الواقِعَةِ تَحْتَ سَيْطَرَتِها فِي أُورُوبّا، وزَادَتْ مِنْ طَمَعِ الأورُوبِيينَ بِها؛ وعلَى إثْرِ ذلكَ ظَهَرَتِ المَسْألَةُ الشَّرْقِيَّةُ القاضِيَةُ بِتَقْسِيم الأراضِي العُثْمانِيةِ بَينَ دُولِ أُوروبا!، وانْتَهَى ذلكَ بالحَمْلَةِ الفِرَنْسِيَّةِ علَى مِصْرَ فِي سَنَةِ (1798) بِقِيادَةِ (نابِلْيُون) والتِي كانََتْ بِدايَةَ الغَزْوِ الاسْتِعْمارِيِّ الجَدِيدِ!.