الصفحة 129 من 159

الْمُحْدَثَةِ فِي القَرْنِ الثالِثِ الميلادِيّ؛ و (الرُّواقِيُّونَ) هَؤلاءِ - نِسْبَةً إلَى الرُّواقِ الذي كانُوا يَجْتَمِعُونَ فِيه - قائِلُونَ بالجَبْرِ؛ والاحْتِجاجِ بالتَّسْلِيمِ للقَضاءِ والقَدر؛ والتَّسْلِيمِ للدَّهْرِ وصُرُوفِه، كَما قَالوا بِمَذْهَبِ وِحْدَةِ الوُجُودِ؛ ومَعْنَى هذا القَوْلِ: أَنَّ وُجَودَ هَذَا الكَوْنِ هُوَ وُجُودُ اللهِ! وَهُوَ مُنْبَثٌّ فِي كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِهِ!، سَبْحانَهُ وتَعالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّا كَبِيرًا، وهُو قَولٌ أَخَذهُ عَنْ (بارْمَنِيدِسَ) الفَيْلَسُوفِ اليونانِي، ثُمَّ انْتَقَلَتْ هَذه العقِيدَةُ إلَى اليَهُودِ والنصارَى والرَّومان، فَظَهَرَ فِي أَلْمَانْيا الصُّوفِي النصْرانِي الألْمانِيُّ إكهارت ( Eckhart Meister) الذي وُلدَ حَوَالَيْ عَام (1260) للمِيلاد؛ وحَصلَ علَى دَرَجَةِ الأُسْتاذِيَّةِ فِي عِلْمِ اللاهُوتِ مِن جامِعَةِ بارِيس عام (1311/م) ؛ وَالذِي بَلَغَتْ آرَاؤُهُ الصُّوفِيَّةُ ذُرْوَتَها عامَ (1326) ؛ ثُمَّ حُوكِمَ وَتُوُفِّيَ عامَ (1327) ، وَوَاصَلَ تِلمِيذَاهُ سُوسُو ( Suso) وتولر ( Tauler) دَعْوَتَهُ إِلَى مَذْهَبِ وِحْدَةِ الوُجُودِ ( pantheism) !، وفِي القَرْنِ السادِسِ عَشَرَ (مِيكائيل سريفِيتُوس) الذي وُجِّهَتْ إلَيْهِ تُهَمَةُ رَفْضِ التَسْلِيمِ بالثالُوثِ وتَعْمِيدِ الأطفال؛ وكانَ مُعاصِرًا ل (كالْفِن) ، ومِمَّنْ كانَ يَعْتَقِدُها مِن المُتَأخِرِينَ فِي أورُوبا اليَهُودِيُّ الهُولَنْدَي (بِنِيرِكْت أُوبَارُوخْ سَبِينُوزَا) الذي ماتَ في سنةِ (1677م) ، وغَيْرُ هَؤلاءِ.

وهَذا المَذْهَبُ الباطِلُ الرَّدِيُّ (وِحْدَةُ الوُجُودِ) يَلْتَقِي فِي الثَمَرَةِ مَعَ القَوْلِ بالجَبْرِ والاحْتِجاجِ للقُصُورِ والقُعُودِ عَن السعْي بالقَضاءِ والقَدَر!، فَإنَّهُ إِذا كانَ الوُجُودُ واحِدًا فَلا فَرْقَ بَيْنَ الرَّبِ والعَبْدِ حَنَئِذٍ!!، ومَعْنَى هَذا أنَّهُ لا فَرْقَ بَينَ آمِرٍ ومَأمُورٍ؛ ولَيْسَ هَناكَ مُكَلِّفٌ (اسْمُ فاعِل) ولا مُكَلَّف (اسمُ مَفْعُول) ، فَلا حَاجَةَ لِسَعْيٍ ولا عَمَل.

وَهَذهِ العَقِيدَةُ انْتَشَرَتْ فِي الهِنْدِ أَيْضًا، كَما تَجِدُها فِي أَحَدِ أَسْفار (يُوبانشاد) وَهُوَ يَتَحَدَّثُ عَنِ الإلَهِ هَكَذا: (ثُمَّ شَاءَ لِهَذِهِ الذَّاتِ الوَاحِدَةِ أَنْ تَنْشَقَّ نِصْفَيْنِ؛ فَنَشَأَ مِنْ ثَمَّ زَوْجُ(كَذا؛ ولَعَلَّهُ: فَرَاغٌ) تَمْلَؤُهُ الزَّوْجَةُ، وَعَلَى ذَلِكَ تَكُونُ النَّفْسُ الوَاحِدَةُ كَقْطْعَةٍ مَبْتُورَةٍ!؛ وَهَذَا الفَرَاغُ تَمْلَؤُهُ الزَّوْجَةُ، وَضَاجَعَ زَوْجَتَهُ؛ وَبِهَذَا أَنْسَلَ البَشَرَ، وَسَأَلَتْ نَفْسَهَا الزَّوْجَةُ قَائِلَةً: كَيْفَ اسْتَطَاعَ مُضَاجَعَتِي بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَنِي مِنْ نَفْسِهِ!؛ فَلأَخْتَفِ، وَاخْتَفَتْ فِي صُورَةِ البَقَرَةِ!؛ وَانْقَلَبَ هُوَ ثَوْرًا فَزَاوَجَهَا، وَكَانَ بِازْدِوَاجِهِمَا أَنْ تَوَلَّدَتِ الْمَاشِيَةُ، فَاتّخَذَتْ لِنَفْسِهَا هَيْئَةَ الفَرَسِ؛ وَاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ الجَوَادَ!، ثُمَّ أَصْبَحَتْ هِيَ حِمَارَةً فَأَصْبَحَ هُوَ حِمَارًا؛ وَزَاوَجَهَا حَقًا!، وَوَلَدَتْ لَهُمَا ذَوَاتِ الحَافِر، وَانْقَلَبَتْ عَنْزَةً فَانْقَلَبَ لَها تَيْسًَا!، وَانْقَلَبَتْ نَعْجَةً فَانْقَلَبَ لَهَا كَبْشًا؛ وَزَاوَجَهَا حَقًا، وَوَلَدَتْ لَهُمَا المَاعِزَ والخِرَافَ، وَهَكَذَا حَقًا كَانَ خاَلِقَ كُلِّ شَيْءٍ، مَهْمَا تَنَوَّعَتِ الذُّكُورُ وَالإِنَاثُ، حَتَّى تَبْلُغَ فِي التَّدَرُّجِ أَسْفَلَهُ إِلَى حَيْثُ النِّمَال!، وَقَدْ أَدْرَكَ هُوَ حَقِيقَةَ الأَمْرِ قَائِلًا: حَقًا إِنِي أَنَا هَذَا الخَلْقُ نَفْسُهُ!، لأَنّي أَخْرَجْتُهُ مِنْ نَفْسِي، مِنْ هُنَا نَشَأَ الخَلْقُ)!. انْتَهَى.

وَجُذُورُ مَذْهَبِ وِحْدَةِ الوُجُودِ وَتَنَاسُخِ الأَرْوَاحِ واضِحِةٌ فِي هذا، كَما وَرَدَتْ واضِحَةً فِي قَصِيدَةٍ مَشْهُورَةٍ عِنْدَهُمْ تَحْكِي عَنْ حِوَارٍ صَرِيحٍ بَيْنَ الأَبَوَيْنِ الأَوَّلَيْنِ للبَشَرِ، التَّوْأَمِينِ مِنْ أَخٍ وَأُخْتِه (يامَا؛ وَ يَامِي) ، فَأَما (يَامِي) فَتَاخُذُ فِي إِغْرَاءِ أَخِيهَا أَنْ يُضَاجِعَها لِيَسْتَمِرَّ الجِنْسُ البَشَرِيُّ!!، ومِنْ أَجْزَاءِ هَذِهِ القَصِيدَةِ قِصَّةُ (تَرْنِيمَةِ الْخَلْقِ) التِي تَبْسُطُ عَقِيدَةَ وِحْدَةِ الوُجُودِ.

والمَقْصُودُ أنَّ فَلْسَفَةَ البوذِيةِ التِي كانَتْ كالفَلْسَفَةِ الرواقِيَّةِ لا يَغَيِّرُ مِنْها أنْ يَنْطِقَ بِها سُوقِيٌّ أو أَمِيرٌ!؛ لَمّا سَادَتْ فِي الهِنْدِ كانَتْ تَدْعُوُ إلَى الزُّهْدِ فِي كُلِّ شَهْوَةٍ ومَطْلَبٍ مِن مَطالِبٍ الحَياة!، حَتَّى فِي الكِفاحِ لأجْلِ الحُرِّيَّةِ سَواءٌ كانَتْ حُرِّيَّةَ الفَرْدِ أو حُرِّيَّةَ الأمَّةِ، وأَصْبَحَ مَثَلُها الأعْلَى جُمُودًَا لا يَعْرِفُ الرَّغَباتِ!، مَعَ تَصْوِيرِ الْحَيَاةِ عَلَى أَنَّهَا شَرٌّ لاَ مَفَرَّ مِنْهُ!، وَتَثْبِيطِ الهِمَّةِ عِنْدَ أَتْبَاعِهَا؛ وَإِشَاعَةِ الكَآبَةِ فِي نُفُوسِهِم، حَتَّى اسْتَحَالَتْ الظَّوَاهِرُ الدُّنْيَوِيَّةُ عَلَى يَدَيْهَا أَوْهَامًا!، فَمَحَتْ بِذَلِكَ الفَوَارِقَ بَيْنَ الحُرِّيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، وبَينَ الكَرامَةِ والمَهانَة، وَبَيْنَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَبَيْنَ الإِفْسَادِ وَالإِصْلاحِ!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت