الصفحة 128 من 159

-أَما أَنْ أُهَوِّنَ علَيَّ أمْرَ الدُّنْيا يا (مَرْجانُ) فَنَعَم؛ ومِنَ الحَماقَةِ أنْ يُنْفِقَ المَرْءُ عُمُرَهُ وهَمَّهُ فِي دِرْهَمٍ وكِساءٍ لا يَزَالُ لَهُما عَبْدًا!، أَمَّا أَمْرُ الآخِرَةِ - وكُلُّ ما كانَ مِنَ الدُّنْيا خَادِمًا لِمَصالِحِها فُهُو مِنْها - والذي كَانً يَغْضَبُ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ فَلا يَقُومُ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يُؤَدَّى حَقُّ اللهِ تَعالَى؛ فَلاَ وَرَبِّ الآخِرَةِ والأولَى حَتَّى يَكُونَ الذي أَرادَ سُبْحانُهُ، ولَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ.

قُلْتَ إِنَّ الطوفانَ يَذْهَبُ بِمَنْ لاقاهُ وتَحَدَّاه، وهذا صَحِيحٌ؛ نَعَمْ!، لكِنْ مِنْ أَينَ جَعَلْتُمُ الطُّوفانَ للكَثْرَةِ التِي ضَلَّتِ الطَّرِيقَ؛ وأَعْرَضَتْ عَنْ هُدَى الله، واللهُ تَعالَى جَعلَها زَبَدًا يَذهَبُ جُفاءً وأما مَا يَنْفَعُ الناسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ؟!، إنَّ مِنَ العَجَبِ الذي لا يَنْقَضِي أنْ يَصْطِنِعَ البَشَرُ مِن المَفاهِيمِ واصْطِلاحَاتِها ما يَكُونُ سَبَبَ بَلائِهِمْ وشَقائِهِمْ ثُمُّ لا هُمْ يَحُولُونَ عَنْها ولا يَزُولُونَ؛ ولا يُصْغُونَ لِمُشْفِقٍ ولا نَاصِح!.

أُحِدِّثُكُما عَمَّا بِهِ صَلاحِِ دِينِنَا ودُنْياناَ؛ وتُحَدِّثانِنِي عَنِ الراحَةِ والدَّعَةِ؛ والسكُونِ والنِّعْمَةِ!!، وهَلْ راحَةُ الإنْسانِ إلا فِي راحَةِ أُمَّتِهِ؛ وسَعادَتُهُ إلاَّ فِي سَعادَتِها؟!، وهَلْ رَأَيْتُما عُضْوًا مِن أَعْضاءِ الجَسَدِ يَكُونَ ناعِمَ البالِ قَرِيرَ العَيْنِ ما دَامَ الجَسَدُ مُفَرَّقَ الأَوْصالِ مُشَتَّتَ الشَّمْلِ عُرْضَةً لِكُلِّ آكِلٍ ونَاهِب!.

احْفَظُوا عَنِّي!، إنَّ الأُمَّةَ التِي تَعِيشُ بِلا غايَةٍ سامِيَةٍ وأَهْدافٍ نَبِيلِةٍ؛ سَوْفَ تَحْيا حَياةَ الإهْمالِ والضَّياعِ، شَانُها فِي ذلكَ شَانُ الإنْسانِ تَمامًا!، والضَّعِيفُ فِي دُنْيانَا هَذهِ لا مَكَانَ لَهُ، فَإمّا أنْ يَغَصَّ بِما هُوَ فِيهِ مِنَ المَهانَةِ!، وإِمّا أنْ يَبْحَثَ عَنْ عَالَمٍ آخَرَ غَيرَ الذي نَعِيشُ فِيهِ؛ ولَنْ يَجِدَ إلَيهِ سَبيلًا!، وإِمّا أنْ يَسْعَى فِي خَلاصِ نَفْسِهِ وأُمَّتِهِ؛ فَكُلُّ الناسِ سَاعٍ ولا بُدّ؛ فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا.

-هَا نَحْنُ يا سَيِّدِي نَحْيا وما مِنَّا إِلا طَاعِمٌ كاسٍ، فَما أَحْسَسْنا بَغَضاضَةٍ ولا حَدَّثَتْنا أَنْفُسُنا يَوْمًا بِحَياةٍ سِوَى ما نَحْنُ فِِيه، بَلْ نَحْنُ فِي سُرُورٍ وهَناءٍ ما جانَبَنا الشَّرُّ!؛ وَوَجَدْنا قُوتَ يَوْمِنا، وما دامُ شَانُ الأُمَمِ فِي ذلكَ شَأنُ الأَفْرادِ؛ فَلا أَخالُ حَالَهَا مِن السَّعادَةِ والهَناءِ إلاَّ كَحَالِنا، فَنَحْنُ مِرْآةُ كُلِّ مَنْ شاكَلَنا مِنَ البَشَرِ والأُمَمِ! فانْظُرْ ماذا تَرَى.

-مِن الحَماقَةِ مُداواةُ الحَمْقَى يا (ياقُوت) ، وأنا أرْبَأُ بِكَ عَنْ مَنْزِلَةٍ أكُونُ فِيها آيَسَ مِن صَلاحِكَ وفَهْمِكَ مِنَ الشَّيْخِ يَرْجُو أَنْ يَعُودُ إِلَيْهِ شَبابُهِ وصِباهُ!.

واسْتَمِعْ إلَيَّ أُحَدِّثْكَ عَنْ بَعْضِ ما تَحْويِهِ صَفَحاتُ التارِيخ، لِتُقايِسَ بَيْنَها وبَينَ ما أَنْتُمْ عَلَيه، فإنَّ التارِيخَ مِرْآةٌ لا تَكْذِبُ!، كما لا يَكْذِبُ المُؤْمِنُ أخاه.

فَقْدْ ذَكَرَ المُؤَرِّخُونَ لِلْهِنْدِ القَدِيمَةِ سَبَبًا لِما انْتَشَرَ فِي دِيانَتِها مِنَ الرَّهْبانِيةِ والتَّزَهُّدِ وكَراهَةِ الحَياةِ، وهُوَ أَنَّها لَمَّا تَعَرَّضَتْ للغَزْوِ والنَّهْبِ والفَقْرِ كانَ مِن نَتائِجِ ذلكَ أنْ أُوذِيَتْ جِسْمًا ورُوحًا، فَلَمْ تَجِدْ مَلاذًا مِن الهَزائِمِ النَّكْراءِ التِي لَحِقَتْها إِلاَّ فِي انْتِصارَاتِ سَهْلَةٍ مُصْطَنَعَةٍ ظَفِرُوا بِها فِي الأساطِيرِ والخَيال!، ثُمَّ جاءَتْهُمُ الدِّيانَةُ (البُوذِيَّةُ) وهِي أَعْظَمُ الدياناتِ انتِشارًا فِي الهِنْدِ بِفَلْْسَفَةٍ عَلَى غِرارِ (الفَلْسَفَةِ الرُّواقِيَّةِ: Ctoicism) اليُونَانِيَّةِ التِي نَشَأَتْ عَلَى يَدِ (زِينُونَ الإلْيائِيّ: Zeno) قَبْلَ عَامِ (300 ق. م) بِقَلَيلٍ فِي أَثِينَا؛ وفِي مَوسُوعَةِ الفَلْسَفَةِ أَنَّهُ كانَ حَيًَّا بَينَ عامَي (490 - 430 ق. م) ، والله أعلم، وَقَدْ وُلِدَ فِي مَدِينَةِ Citium )) فِي قُبْرَصَ اليونانِية، وَهُوَ فَيْلَسُوفٌ لِسانُهُ ذُو حَدَّيْنِ! كما وَصَفَهَ بِذلكَ ( Temon) ، ثَمَّ انْتَحَرَ (زِينُون) هذا عَامَ (260 ق. م) ؛ وقُدِّرَ لِفَلْسَفَتِهِ هَذهِ أَنْ تَكُونَ أَعْظَمَ مَدْرَسَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ حَتَّى ظُهُورِ (الأَفْلاطُونِيَّةِ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت