الصفحة 127 من 159

الناشِئِ عَنِ التَّخاذُلِ كَفَرْقِ ما بَيْنَ السماءِ والأَرْض؛ ومَعَ ذلكَ فَكَمْ مِن الناسِ مَنْ يَسْتَعِيرُ ثِيابَ الحِكْمَةِ لِما ألِفَهُ مِن الذِّلَّةِ والمَهانَةِ!، كَما تُسْتَعارُ ثِيابُ الوَرَعِ للعَجْزِ والتَّقْصِير!.

يُحَدِّثُنِي (ياقُوتُ) عَن الدُّنْيا وَحَقارَةِ شَانِها وَوَكْسِ ثَمَنِها!، وذلكَ حَقٌّ جِيءَ بِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وإنَّما تُحْتَقَرُ الدُّنْيا إِذا طُلِبَتْ للدُّنْيا! لا لِعَمَلِ الآخِرَةِ، وإذا كانَتْ الدنْيا دارًا يَسْعَى فِيها الجاحِدُ والكَفُورُ والظَّلُومُ؛ فإنَّ سَعْيَ هَؤلاءِ فِيها عَلَى قَدْرِ ما يَتَخَلَّى عَنِ السَّعْيِ المُؤمِنُ والعادِلُ والصالِحُ وَالصَّدُوق!، وسَعْيُ هَؤلاءِ مِنْ دَفْعِ اللهِ الناسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ؛ وكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَه.

ولَيْتَكُما إِذْ أبَيْتُما إلا النَّقْلَ عَنْ كُتُبِ القَومِ - كَما هُو شَانُ كَثِيرين! - نَقَلْتُما ما تُنْصِفانِ بِهِ نَفْسَيكُما قَبْلَ غَيْرِكُما مِن البَشَر!، فَفِي التَّوْراةِ أَيْضًا:

اذْهَبْ إِلَى النَّمْلَةِ أيّها الكَسْلانُ! ... إلَى مَتى تَنامُ أَيُّها الكَسْلان!.

أَرَأَيْتَ رَجُلًا مُجْتَهِدًا فِي عَمَلِهِ؛ أمامَ المُلُوكِ يَقِف!.

المُسْتَعْجِلُ إلَى الغِنَى لا يَبْرَأ!.

راحَةُ الجُهالِ تُبِيدُهُم!.

العَمَلُ هُوَ الحِكْمَةُ، أَما الكَلامٌ فَحُمْقٌ وسُخْف!.

فِي كُلِّ تَعَبٍ مَنْفَعَة؛ وكَلامُ الشَّفَتَيْنِ إِنَّما هُو إلَى الفَقْر!.

حَتّى الأَرْضُ المَوْعُودَةُ لا تُنَالُ إِلاَّ بِحَدِّ السَّيْفِ!.

أَلا بُعْدًا لِيَهُودَ كَما بَعِدِتْ كُلُّ أُمَّةٍ ضَلَّتْ عَنْ هُدَى رَبِّها ونَبَذتْهُ وراءَها ظِهْرِيّا، فَإنَّ ما حَكاهُ (ياقُوتُ) عَن (سِفْرِ الجامِعَة) المَذْكُورِ؛ والذي لا يُعْرَفُ مُؤَلِّفُهُ ولا وَقْتُ تَألِيفِهِ - بَينَما يُرْجِعُهُ (سارْتِن) إلَى ما بَيْنَ عامَي (250 - 168/ قبل الميلاد) - إنَّما كانَ ثَمَرَةً لِما ضَرَبَهُ اللهُ تَعالَى عَلَيْهِمْ مِنَ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ وباءُوا بِهِ مِنْ غَضَبِهِ ولَعْنَتِه، حَتَّى شُرِّدُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعِينَ قَرْنًا مِن الزمانِ أو يَزِيدُ، وبَعَثَ اللهُ تَعالَى عَلَيْهِمْ مِنَ الأُمَمِ مَنْ يُسُومُهُمْ سَوءَ العذابِ، فَكَتَبُوا ما كَتَبُوهُ فِي السِّفْرِ المَذْكُورِ يَاسًا مِن الحَياةِ وتَشاؤُمًا مِمَّا صارُوا إلَيه، ولذا تَجِدُ فِيهِ أَنَّ السَّعادَةَ والشَّقاءَ لا شَانَ لَهُما بالفَضِيلَةِ والرَّذِيلَةِ!، والحَياةَ لا غَايَةَ مِن وَرَائِها ولا هَدَفَ!؛ تَنْتَهِي مِن حَيْثُ تَبْدَأُ وتَبْدَأُ مِن حَيْثُ تَنْتَهِي!؛ فالحَياةُ كُلُّها أَمْرٌ مُحْزِنٌ؛ فَلا ضَيْرَ مِن التَّخَلَّصِ مِنْها، وَانْظُرْ إلَى عِبارَتِهِ يَقُول: (فَغَبَطْتُ أنا الأَمْواتَ الذينَ قَدْ ماتُوا مُنْذُ زَمانٍ أكْثَرَ مِن الأحْياءِ الذينَ هُمْ عائِشُونَ بَعْد، وخَيْرٌ مِن كِلَيْهِما الذي لَمْ يُولَدْ بَعْدُ، الذِي لَمْ يَرَ العَمَلَ الرِّدِيءَ الذِي عُمِلَ تَحْتَ الشَّمْسِ ... ويَوْمُ المَمَاتِ خَيْرٌ مِنْ يَوْمِ الوِلادَة!) .

فَهْذهِ العِباراتُ التِي تَسْمَعُها هِي عِبارَاتُ الأُمَّةِ حِينَ يَنْضَبُ عَنْها ماءُ الحَياةِ ويَجِفُّ مَعِينُها، وتَبْحَثُ عَنْ طَرِيقٍ للخَلاصِ مِن أغْلالِ التَّبَعِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ!؛ فَلا تَجْدُ إِلاَّ أَجْيالًا طَالَ بِهِمُ العَهْدُ فَألِفُوهَا؛ كَما يَالَفُ المَرِيضُ المُزْمِنُ المَرَضَ حَتَّى يَشْعُرَ بِأنَّ مُفارَقَتَهُ لَهُ مُفارَقَةٌ للصِّحَّةِ والعافِيَةِ!.

-هَوِّنْ عَلَيكَ يا سَيِّدِي!؛ فَما أَرادا بِما قَالاَ إلاَّ الخَيرَ، فَإنَّ مَنْ واجَهُ الطوفانَ كانَ هُو الخاسِرَ لا مَحالَةَ!، ومَعَ الإصْرارِ فالثَّمَنُ غالٍ؛ بَلْ غالٍ جِدًّا!، فَمَنْ ذا يُطِيقُهُ أو يَسْتَطِيعُ إلَيْهِ سَبيلا؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت