الصفحة 13 من 159

إنَّ عالِمًا واحدًا يَفْهَمُ رِسالَةَ الإسلامِ عَلى وَجْهِها؛ ويَجْمَعُ بَينَ تَقْوَى اللهِ تعالى وبَيْنَ حصافَةٍ في الرايِ وسَدادٍ في الفِكْرِ كَفِيلٌ بإذنِ اللهِ تعالَى بِصلاحِ أُمَّةٍ بأسْرِها، والمُصْلِحُونَ في الأمَمِ عَباقِرَةٌ أفْذاذٌ من الرجالِ دائِمًا!؛ ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا مِنْ أحْلاسِ البلادَةِ وأزلامِ الغَباء، وأمَّةُ الإسلامِ لا تَخْرُجُ عنْ هذا؛ ولا بُدَّ لَها مِنْه؛ لأنّهُ سَبَبٌ يَشْتَرِكُ فيه البَشَرُ كما يَشتَرِكُونَ في غَيرِهِ من الأسْباب.

ثُمَّ قلْتُ للسائل: ولِذا تَرَى آلافَ الخِرِّيجِينَ من الكُلِّياتِ الشرْعِيَّةِ هذهِ ولا قِيمَةَ لهمْ في حَياةِ الناسِ فَضْلًا عَنْ أنْ يكُونَ لهمْ أثرٌ عليهم!؛ وفَوقَ هذا كُلِّهِ فالشهاداتُ تِلكَ لا تَمْنَحُ الطالِبَ خَشْيَةَ اللهِ تعالى وتَقْواهُ والتي هِي الحاملُ الأولُ والباعِثُ الأهمُّ على فَهْمِ رِسالَةِ المُسْلِمِ ودَورِهِ في الحياة، ثُمَّ إنَّ بَينَ حَمْلِ العِلْمِ مِنْ جِهَةٍ؛ وبَينَ فَهْمِ رِسالَتِهِ والقِيامِ بِحَقِّهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى من البُعْدِ كما بَينَ المشرقِ والمَغْرِب، والله يَتَولَّى الصالحين.

فَلِهذهِ الأسبابِ وغَيرِها وقَعَتْ النفْرَةُ التي أشارَ إلَيْها صَاحِبُنا، والحَقُّ أنَّ هذه النماذجَ والأمْثِلَةَ المذكُورَةَ التي يُرَوَّجُ عَنْ قَصدٍ لها لا تُمثِّلُ الإسلامَ ولا دَعْوَتَه، كما لا تَمَثِّلُهُ أيضًا تِلْكَ النماذجُ التِي تَهْدِمُ أصولَهُ ومَبادِئهُ باسمِ الحداثَةِ والتطوُّرِ والتنْويرِ والعَقْلانِيَّةِ وغَيْرِها مِنَ الدعَواتِ الدخِيلَةِ عَليه.

المَرْءُ ونَظِيرُهُ:

إنَّ مِنْ مُتَعِ الحَياةِ وَمَباهِجِها مُطالَعَةَ سِيَرِ العُظَماء؛ لأَنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلى حُبِّ التَّشَبُّهِ بِنَظائِرِها، مَعَ ما فِي سِيَرِهِم من العِبْرَةِ واستِخْلاصِ دُرُوسِ الحياة، حتى قيلَ: التأرِيخُ مَعادٌ ثانٍ!، وَفي تَحْقيقِ الصفا لِمُحِبِّ الدينِ الطبَريّ: مَنْ وَرَّخَ مُؤْمِنًا فَضْلًا عَنْ عالِمٍ عامِلٍ فَكَأَنَّما أَحْياهُ؛ وَمْنْ أَحْيا مُؤْمِنًا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا الناسَ جَمِيعًا. انْتَهى. وقِيل: تَجارِبُ المُتَقَدِّمِينَ مَرايا المُتَأخِّرينَ، وقيل: مَنْ وَرَّخَ أحدًا مِنْ أهْلِ الفَضْلِ والكَمالِ فَهُوَ في شَفاعَته!.

وكَانَ الخَلِيفَةُ المَامُونُ العَباسِيُّ يَقُول: لا شَيْءَ أَطْيَبُ مِنَ النَّظَرِ فِي عُقُولِ الرِّجَالِ!، وقِيل: إذا رَأَيْتَ مُعْجَبًا بِرَايِهِ فَأدِّبْهُ بأخْبارِ مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اللحاقَ به!.

والحديثُ عَنْ سِيَرِ الرجالِ حديثٌ ذُو شُجُون؛ لأنَّ كُلَّ جانِبٍ مِنْ جوانِبِ الفضْلِ في حَياةِ العُظَماءِ عَلَمٌ مِن أعلامِ الطريق، وإذا كانَتْ الأُمَمُ تُخَلِّدُ ذِكْرَى رِجالِها لأنَّ أحَدَهُمْ امْتازَ بِفَضيلَةٍ واحِدَةٍ!؛ فَما بالُنا نَحْنُ لا نَفْعَلُ وفِينا مَنْ تَمْلأُ فَضائِلُهُ أرْجاءَ الأَرْضِ وتُتَوِّجُ هامَةَ التارِيخ!؛ وإلَى يَوْمِنا هذا، عَلَى أنَّنا نَمْتازُ عنْ غَيرِنا من الأُمَم في هذا بأَمْرَين:

الأَوَّل: أنَّ الفَضائِلَ دِينٌ نَتَعَبَّدُ اللهَ تعالَى به، ولذلكَ كانَتْ كُلُّها مُجْتَمِعَةً في رَسُولِ اللهِ صَلَواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيهِ؛ لأنَّهُ الذي بُعِثَ بِتَتْمِيمِها، حَتَّى صارَ اجْتِماعُ هذه الفضائلِ فِيهِ دَلِيلًا مِن دَلائِلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت