نُبُوَّتِهِ وعَلَمًا مِن أَعْلامِ رِسالَتِه، لأنَّنا نَرَى الرجُلَ الواحِدِ يُمْدَحُ بِخُلُقٍ أو خُلُقَينِ إذا اجْتَمَعا فيهِ حتى يَصيرَ ذلكَ عَلَمًا عَلَيهِ بَينَ خلائقَ لا يُحْصَون، فَكَيفَ إذا اجْتَمَعَتْ الفضائلُ كُلُّها عَلَى الوَجْهِ الأكْمَلِ في نَفْسٍ واحِدة!، وذَلكَ غَيرُ مَعْهُودٍ في البَشَرِ إلا فِيمَنْ كَمَّلَهُ اللهُ تعالَى وهَذَّبَهُ وجَمَّلَهُ واخْتارَهُ لِحَمْلِ رِسالَتِهِ صَلَواتُ اللهِ وسلامُهُ عليه.
الثانِي: أنَّ اجْتِماعَ الفَضيلَةِ مَعَ الإيمانِ باللهِ تعالَى هُو المَطْلُوب، وإلا فَأيُّ فَضِيلَةٍ تَبْقَى مَعَ الكُفْرِ باللهِ وشَرْعِه؟!، وهَلْ يَسْتَحِقُّ أنْ يُوصَفَ بالذكاءِ مَثَلًا مَنْ زَعَمَ أنَّهُ قَتَلَ مَعْبُودَهُ وصَلَبَهُ عَلَى خَشَبَة!؛ أَوْمَنْ كانَ مَعْبُودُهُ البَقَرَةَ والفَارَ!؛ وإنْ حَلَّقَ في الفَضاءِ وغاصَ تَحْتَ الماء؟! , وهَلْ زادَ في ذلكَ عَلى أنْ قَلَّدَ النسُورَ في جَوِّ السماءِ؛ والأسماكَ في قِيعانِ البِحار؟!.
نَعَمْ؛ الذكاءُ مَلَكَةٌ في الإنْسانِ تَتَوَلَّدُ عَنْ آلَةٍ جارِحَةٍ هِي العقْلُ، ويُساعِدُ عَلَى إتْقانِها كَثْرَةُ التَّجْرِبَةِ والتوسُّعُ في العِلْم، وقَدْ يَكُونَ الرجُلُ ذكِيًا في عِلْمٍ مِن العُلُومِ أوْ فَنٍّ من الفُنُونِ أوْ صِناعَةٍ من الصناعات لكِنَّهُ يُوصَفُ بذلكَ في هذا الفنِّ فقط، في الوَقْتِ الذي تَجدُهُ فِيما عَلَيهِ مَدارُ السعادَةِ في الدنْيا وَالدارِ الآخِرةِ قَدْ حازَ مِن غَباوَةِ العقْلِ نِهايَتَها!، نَسألُ اللهَ السلامَةَ والعافِية.
ورَحِمَ اللهُ الذهَبِيَّ حِينَ قالَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الحَسَنِ بنِ الرَّيْوَنْدِيِّ المُلْحِدِ: لَعَنَ اللهُ الذَّكاءَ بلا إِيمانٍ، وَرَضِيَ اللهُ عَنِ البَلادَةِ مَعَ التقْوَى. انْتَهى.
وهَذا الذي قَالَهُ صَحيح؛ والتارِيخُ قَدْ حَفِظَ لَنا أخْبارَ مَنْ وُصِفَ بالذكاءِ ومَعَ ذلكَ لمْ يَسْتَعْمِلْهُ إلا فِيما يَضُر!.
هذا السَّيْفُ الآمِديُّ كانَ مِنْ أذكِياءِ العالَمِ؛ ومَعَ ذلكَ نُفِيَ مِنْ دِمَشقَ لِسُوءِ ما يَحْمِلُهُ من المُعْتَقد؛ وثَبَتَ عَنْهُ أنهُ كانَ يَتْرُكَ الصلاة!!
والشِّهابُ السهْرَوَرْدِيُّ الفَيْلَسُوفُ صاحِبُ (السِّيمْيا) قُتِلَ شابًا لِسُوءِ مُعْتَقَدِهِ؛ وكانَ (مُفْرِطَ الذكاءَ) كما قِيلَ!.
وابنُ الرَّيْوَنْديِّ المُلْحدِ نُسِبَ إلى العَقْلِ والذكاء؛ ومعَ ذلكَ آلَ بهِ الأمْرُ إلى أنْ صَنَّفَ كتابًا سَماهُ (الدامغ) زَعَمَ أنهُ يدْمَغُ بِهِ القرْآن!!؛ فلا رَحِمَ اللهُ فيهِ مَغرِزَ إبْرة.
وعَلَى هذه الشاكِلَةِ كَثيرُونَ فِي كُلَّ زَمانٍ ومكان!.
ولكَ أنْ تَقُول: العَقْلُ عَقْلان:
عَقْلُ إدْراك؛ وهُو الذي يتَعَلَّقُ بهِ التكْلِيف، ووصْفُ النساءِ بِنُقْصانِ العقلِ في الحديثِ يُرادُ بهِ عَقْلُ الإدراك.