القُرْآنُ يا قَوْمِ وإنْ كانَ مِنْهاجًا للبَشَرِيَّةِ كلِّها؛ إلا أنَّ ما حَواهُ مِن كُنُوزِ العِلْمِ هُوَ للعُقَلاءِ الأذكِياءِ؛ لا للمُتَغابِينَ أو الأغْبِياء، ولذا تَرى فِي خَطاباتِهِ مِنْ لطائفِ التَّنْبِيهاتِ بَحْرًا لا يُدْرَكُ آخِرُهُ، وكُلَّما كانَ الناظِرُ فِيهِ أَحدَّ ذِهْنًا تَجَلَّى لَهُ مِنْ أسرارِهِ ما لا يَنْقَضِي مَعَهُ العَجب؛ حَتَّى قِيلَ:
وكُلُّ العِلْمِ في القُرْآنِ لكِنْ ... تَقاصَرَ عَنْهُ أَفْهامُ الرجال
وما أحْسَنَ ما ضَرَبَهُ بَعْضُ العُلَماءِ لذلكَ مَثَلًا لَمَّا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ بأنَّهُ يَتَكَلَّفُ في نِسْبَةِ كَثِيرٍ مِن العُلُومِ إلى القُرْآنِ فقالَ له:
خَرَجَ فِي يَوْمٍ من الأيامِ فَلاحٌ ومَعَهُ ثَورٌ يَقُودُهُ إلى الحَقْلِ؛ وفِي مَعِيَّتِهِ صَبِيُّهُ الصغير، فلَما صارَ إلى الحَقْلِ وجدَ هَناكَ تاجِرًا ومُهَنْدِسًا زِراعِيَّا ومَنْدُوبًا لوزارَةِ الزراعَة، فاجْتَمَعُ هؤلاءِ الستَّةُ في الحقْلِ وقَد حانَ مَوعِدُ الحصادِ، وسنابِلُ القَمْحِ الذهَبِيَّةُ تتَمايلُ مَعَ نَسماتِ الريحِ؛ وثِمارُ البُسْتانِ قَدْ حانَ قِطافُها، أفَتَرى الستَّةَ هؤلاءِ يَنْظُرُونَ إلى الحَقْلِ نَظْرَةً واحدة؟!.
بلِ الثورُ لا يَرِدُ عَلَى خاطِرِهِ سوى الأكْلِ مِن البَرْسيم!.
والصبِيُّ تَشُدُّهُ الأَلوانُ الزاهِيةُ وسنابلُ القَمْحِ المُتَمايِلَة!.
والفلاحُ يُفَكِّرُ في حَرْثِ الحَقْلِ وزِراعَتِهِ وحصاده!.
والتاجِرُ يَشْغَلَهُ شِراءُ مَحْصُولِهِ وبَيْعُهُ بِرِبْحٍ مَوفور!.
والمُهَنْدِسُ يبْحَثُ في أحْسَنِ الطرقِ لِتَحْسينِ إنْتاجه!.
ومَنْدُوبُ الوزارَةِ يَهُمُّهُ تأثِيرُ إنْتاجِ الحَقْلِ عَلى تحسينِ اقْتِصادِ البلاد!.
فَكُلٌّ مِن هؤلاءِ اشْتَرَكُوا في النظَرِ إلى شيءٍ واحد، أفَتَرَى الثَّوْرَ ومَنْدُوبَ الوِزارَةِ يَسْتَوِيانِ في النظَرِ إلَى الحَقْل؛ والانْتِفاعِ بِما فِيه؟!؛ بلِ الفرْقُ بَينَهُمْ بَحَسْبِ عِلْمِ الناظِرِ وعَقْلِه.
وهكذا الشأنُ في كِتابِ اللهِ وشَرْعِهِ، كُلما كانَ الناظِرُ فِيهما أوسعَ عِلْمًا وأعْمَقَ فِطْنَةً وذكاءً كانَ انْتِفاعُهُ بِهما أَجَلَّ وأَعْلَى!!، وليسَ المَعْنى أنهُ لم يَنْزِلْ إلا على الأذكياءِ وللأذكياءِ فقط.
ولَوْ أنْصَفْنا أنْفُسَنا؛ بلْ دِينَنا قَبْلَ ذلك!؛ لكانَ مُعَدَّلُ قُبُولِ الطالِبِ في الكلِّياتِ الشرْعِيَّةِ لا يَقِلُّ عنْ كُلِّيَّةِ الطبِّ؛ إنْ لَم يكُنْ أعلى مِنْه، وإذنْ لكانَ العباقِرَةُ مِن الطلابِ هُمُ الذينَ يَحْمِلُونَ رِسالَةَ الإسلامِ والدَّعْوَةَ إِلَيْهِ، ولأنَّ دِينَ الإسلامِ لا يَقِفُ على حِكَمِهِ وأسْرارِهِ سِوَى الأذكِياءِ مِن العُلماء.
دَعْ عَنْكَ الحديثَ عَنِ المَناهِجِ المُقَرَّرَةِ؛ وعَنْ ضَعْفِها في كثيرٍ مِن الأحيانِ، فَتِلْكَ آفَةٌ يَضيقُ عَنْ بَيانِها المَقام.