ومِن الضَّرُورِي أنْ نُذكِّرَ هُنا بِأنَّ الحَرَكَةَ النِّسائِيَّةِ فِي الشرْقِ العَرَبِي كانَتْ تَرْتَبِطُ بِتَوْجِيهٍ وتَآمُرٍ عالَمِيّيْنِ، وهَذهِ العُجُوزُ (رُوزفْْلت) مَثَلًا - وهِي صاحَبَةُ الدّورِ الكَبِيرِ فِي إنْشاءِ وطَنٍ قَوْمِيٍّ لليَهُودِ - تَبْعَثُ رِسالَةً إلَى (المُؤْتَمَرِ النسائِي العَرَبِي) الذي أقامَهُ (الاتحادُ النسائيُ المِصْرِيُّ) سَنَةَ (1944) تَحَيّي المُشارِكاتِ؛ وَتَقولُ فِيها: وَإِنّي لَوَاثِقَةٌ مِنْ أَنّ النّسَاءَ العَرَبِيّاتِ سَيَقُمْنَ بِدَوْرِهِنّ؛ إِلَى جَانِبِ شَقِيقَاتِهِنّ! فِي بَاقِي بُلْدَانِ العَالَمِ؛ أَمَلًا فَي نَشْرِ التّفَاهُمِ وَالسِّلْمِ العَالَمِيِّ فِي الْمُسْتَقْبَل!. انْتَهى.
فَلَمْ تَكُنْ غَيْرَ جَوْلَةٍ جالَها لُيُوثُ الإسْلامِ وَوَسَمُوا المُعْتَدِيَ علَى الخُرْطُومِ!؛ (والخُرْطُومُ هُنا: الأَنْفُ) ، وجاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الباطِلٌ، وما أصابَ الأُمَّةَ من ذلكَ إلا ما قَدَّرَهُ اللهُ تعالَى مِن التدافُعِ بَينَ الفَرِيقَينِ، أما المَرْأَةُ المُسْلِمَةُ فَلَمْ يَقَعُ فِي تارِيخِها قَبْلَ هَذا العَهْدِ الذي ذكَرْناهُ أن اشْتَكَتْ مِن حَقٍّ هُضِمَ أو فاتَ، ولِذا تَرَيْنَ ما كُتِبَ حَولَ حُقُوقِ المَرْأَةِ فِي الإسلامِ قَدْ بَدأَ فِي عَهْدِ الاسْتِعْمارِ، فَكَتَبَ فِيهِ مِثْلُ مَحَمَّدِ سَعَيدٍ بنِ مُحَمَّدِ الدِّمَشْقِيُّ ثُمَّ البَيْرُوتِيُّ المُتَوفَّى بِها بَعْدَ سَنَةِ (1327) للهجْرَةِ؛ المُتَأَدِّبُ الدِّمَشْقِيُّ؛ كِتابَ (سَلِّ الحُسَام فِي حُقُوقِ المَرْأَةِ فِي الإسْلامِ) ، وكَتَبَ فِيهِ حُسَيْنُ بنُ سَامِي الأَزْهَرِيُّ المِصْرِيُّ المُتَوفَى سَنَة (1362) ، ونَدِيمُ بنُ مُحْمُودٍ المَلاحُ الأدِيبُ الشاعِرُ من أهْلِ طرابُلْسَ الشامِ؛ المُتَوفَى سَنَةَ (1393) ، وغَيرُ هَؤلاء.
ومِمّا لا بُدَّ مِن حِكايَتِهِ للعِبْرَةِ ومُناسَبَةِ الحَدِيثِ؛ مَا نَشَرَتْهُ صَحِيفَةُ الأَخْبَارِ المِصْرِيَّةُ - (في 20/ 10/1972م) : أَنَّهُ لما أقِيمُ احتْفالٌ فِي ذلكَ الأسْبوعِ لِسَيِّدَةِ العامِ!، وحَضَرَتْهُ الأَمِيرَةُ البَرِيطانِيَّةُ (آن) ؛ فِي جَمْعٍ كَبِيرٍ من النساء، وكان الحَدِيثُ حَولَ حُرّيَّةِ المَرْأةِ ومطالِبِها!، قامَتْ مِن بَينِ الحُضُورِ فَتاةٌ تبلغُ من العمُرِ سَبْعَةَ عَشرَ عامًا؛ وقالتْ: إنَّها تَرْفُضُ الدَّعْوَةَ إلَى تَحْرِيرِ المَرْأةِ؛ ولا تَرْضَى بِغَيْرِ أُنُوثَتِها بَدِيلًا، وتَأبَى أنْ تُنافِسَ الرجُلَ فِيما يَرْتَدِيهِ من الثياب، ولا تَرْتَضِي الزوجَ إلا أنْ يَكُونَ رَجُلًا!!، فَصفَّقَ لَها الجَمِيعُ؛ وعلَى رأسِهِنَّ الأميرَةُ!؛ وحَصَلَتْ علَى التّأييدِ بالإجْماعِ!.
-ألا حَفِظَ اللهُ تِلْكَ الفَتاةَ يا بُنَيَّةُ كَما حَفِظَتْ دِينَها وأُمَّتَها، وهِي إنْ تَمَسَّكَتْ بِما يُوجِبُهُ أَصْلُ الفِطْرَةِ وتَقْتَضِيهِ طِبِعَتُها التِي جُبِلَتْ عَلَيها، فَإنَّ الذِي يُكَمِّلُهُ ما جاءَ بِه الشرْعُ المُطَهَّرُ مِن الأحكامِ التِي تُصانُ بِها مِن عَبَثِ العابِثِينَ؛ ومَكْرِ المُخادِعِين، فانْظُرِي إلَى الأمْرِ بِغَضِّ البَصرِ، وتحْريمِ الفواحِشِ، والنَّهْي عَنْ مُقَدِّماتِها وكُلِّ ما يُفْضِي إلَيْها، مِن الغِناءِ؛ والمَعازِفِ؛ واللهْوِ؛ والخُضُوعِ بالقولِ؛ والدُّخُولِ علَى النساء؛ والخَلْوَةِ بِهِنَّ؛ والخَمْر، وما نَهَى عَنْهُ مِن طُرُوقِ المُسافِرِ علَى أهْلِهِ لَيلًا يَتَخَوَّنُهم!، ومِن القَذْفِ الذي شَدَّدَ الشرْعُ فِيهِ حَتى عُدَّ مِن الكبائِرِ!، ثُمَّ تَحْرِيمِ نَكاحِ المُتْعَةِ الذي هُوَ مِن أَعْظَمِ الإهانَةِ للمَرْأَةِ والعُدْوانِ عَلَى كَرامَتِها، وتَحْرِيمِ نِكاحِ المُشْرِكاتِ، ونِكاحِ المَحارِمِ مِن النساء، والجَمْعِ بَينَ الأخْتَينِ، وما أُمِرَتْ بِهِ مِن الحِجابِ؛ ولُزُومِ بَيتِها، ونَهْيِها عَن تَبَرُّجِ الجاهِلَيةِ، وعَن خُرُوجِها مَتَعَطِّرَةً تَمُرُّ بالأجانِبِ عَنْها!، وعَنْ سَفَرِها مِن غَيْرِ مُحْرَمٍ لَها، والشفَقَةِ علَيْها بِمَنْعِها مِمّا لا تَصْلُحُ لَهُ ولا يُناسِبُ حالَها مِنَ وِلايَةِ الحُكْمِ والقَضاءِ والإمارَةِ العامَّةِ، وما شَرَعَهُ مِن مُدافَعَةِ الرجُلِ عَنْها؛ حَتَّى كانَ مَن ماتَ دُونَ عِرْضِهِ شَهِيدًا عِنْدَ اللهِ تعالَى!، وما فَرَضَ لَها مِن الحَقِّ وهِي جَنِينٌ فِي أحشاءِ أُمِّها!؛ فَنَهَى عَن العَزْلِ وسَماهُ وَادًا خَفِيّا!، وشَرَعَ صَدَقَةَ الفِطْرِ عَنْها كالجَنِينِ الذكَرِ ولا فَرْقَ!، كما فَرَضَ لَها الحَقَّ مَولُودَةً بَتَحْرِيمِ وادِها؛ وإحْسانِ تَسْمِيَتِها؛ والعَقِيقَةِ عَنْها، والحَقَّ رَضِيعَةً؛ فَنَهَى عنْ قَتْلِ أمِّها إنْ ارْتَكَبَتْ ما يُوجِبُ ذلكَ حَتى تُرْضِعَها كَما فِي قِصَّةِ الغامِديَّةِ، والحَقَّ جارِيَةً؛ بِتَأدِيبِها وتَعْلِيمِها وتَزوِيجِها مِن الكُفْؤِ لَها، والحَقَّ زَوْجَةً، بِطَلَبِ إِذْنِها فِي النكاحِ؛ واشْتِراطِ رِضاها بالزوج؛ وبَقاءِ نَسَبِها مُلْحَقًا بِأبِيها لا بِزَوْجِها؛ والصداقِ؛