والتارِيخُ المُظْلِمُ الذِي مَرَّتْ بِهِ المَرْأةُ الغَرْبِيَّةُ هُوَ الذي دَفَعَ إلَى المُطالَبَةِ بِحُقُوقِها، فِي مَراحِلَ وعُهُودٍ مُخْتَلِفَةٍ، ولِذا تَجِدُ المُطالَبَةَ بِهذا فِي عَهْدِ أثِينا زَمَنَ (بَرْكلِيز) الذي تُوُفِّيَ عامَ (429) للميلاد؛ وكانَ قَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ للأخْطارِ لأَجْلِ مَحْظِيَّةٍ تُطالِبُ بِحُرّيّةِ المَرْأَةِ!، ثُمَّ فِي أواخِرِ ذلكَ العَهْدِ قامَتْ دَعْوَةٌ تَرْمِي إلى تَحْرِيرِ المَرْأة، ودافَعَ عَنْها (يُورِيدْز) فِي خُطَبٍ حَماسِيَّةٍ؛ فِي حِينَ كانَ (أَرِسْطُو) يَسْخَرُ مِن النساءِ بِألْفاظٍ قَبيحَةٍ صَرِيحَةٍ.
وما عُرِفَ فِي أَنْحاءِ العالَمِ (بالحَرَكَةِ النسائِيّةِ) إِنَّما بَدَأَ فِي القَرْنِ التاسِعِ عَشَرَ المِيلادِيِّ، فِي (أوروبا وأمريكا) ؛ ثُمَّ انْتَشَرتْ فِي أجْزاءٍ مِن العالَمِ، والعامِلُ الأَوَّلُ فِي نُشُوئِها ما يُعْرَفُ بالثَّوْرَةِ الصِّناعِيَّةِ!؛ حِيثُ بَدأَتْ بالمُطالَبَةِ بِمُشارَكَةِ المَرْأةِ فِي الانْتِخابِ والتّصْويتِ؛ وانْتَهتْ بِمطالِب المُساواةِ بَينَ الجِنْسَينِ فِي البَيْتِ والعَمَلِ والحَياةِ السِّياسِيَّةِ!، وهَذهِ الحَرَكاتُ يَعُدُّها الغَرْبِيُّونَ رُكْنًا مُهِمًّا فِي الحَضارَةِ الغَرْبِيَّةِ.
وقَدْ انْحَسَرَتْ هَذهِ الحَرَكَةُ فِي الغَرْبِ فِي سِتِّيناتِ وسَبْعِيناتِ القَرْنِ العِشْرِينَ؛ واقْتَصَرَتْ حِينَها مَطالِبُ النساءِ عَلَى المُطالَبَةِ بِحَقٍّ فِي الإجْهاضِ!؛ والحَقُّ أنَّ ذلكَ إِنَّما كانَ بِتَحْرِيضٍ مِن تُجّارِ الأَعْراضِ وعَبِيدِ الهَوَى لِفَتْحِ بابِ الشَّهَواتِ علَى مَصارِيعِها!؛ ولذا كانَ مِن ثِمارِ هَذا أنْ بَلغَتْ حالاتُ الإجْهاضِ عامَ (1984) فِي أماكِنَ مُخْتَلِفَةٍ مِن العالَمِ (خَمِسينَ مِلْيُونًا) مِن الحالاتِ!؛ سِوَى مَنْ ماتَ مِن الأُمَّهاتِ أثْناءَ ذلكَ!، ثُمَّ نادَيْنَ بِذلكَ فِي (إيرْلَنْدا واستُرالِيا) ؛ إلَى أنْ حَصَلْنَ علَى بَعْضِ مَطالِبِهِنَّ، فانتَقَلْنَ بَعْدَها إلى المُطالَبَةِ بَحَقِّ الطلاقِ وحَضانَةِ الصغار!.
والتحَوُّلُ التارِيخِيُّ الكَبيرُ فِي هذا الشأنِ كانَ خِلالَ الثَّوْرَةِ الفَرَنْسِيَّةِ، وهِيَ قِصَّةٌ يَطُولُ شَرْحُها؛ والذِي كانَ مِن شانِها أنْ أخْرَجَتِ الأبْناءَ ذُكُورًا وإناثًا عن سُلطَةِ الأَبَوَين بِشعارِ: الثورَةُ أبِي ولا أبَ لِي سِواها!؛ حَتَّى عَدَّ الأبناءُ تَقْويمِ آبائهِم لَهُمْ مُنافِيا للقانُونِ، وقَبْلَ عام (1789) شارَكَتِ النسْوَةُ فِي الأمورِ السياسِيَّةِ مُشارَكَةً ظاهِرَةً، وقُمْنَ بِمَسيرَةٍ إلَى (فَرْساي) وأحْضَرْنَ الملكَ والمَلِكَةَ إلَى (بارِيس) لِيكُونا أسيرَينِ لِمطالِبِهِنّ، وازدادَ اشتِعالُ الثَّوْرَةِ علَى إثْرِ هذا، ونَشَرَ (كوندرسيه Condorcet) فِي عامِ (1790) مقالا بِعُنْوانِ (إعطاءِ الدولَةِ الحُقُوقَ للنساء) ، وفِي الشهرِ الأخيرِ من السنةِ نَفْسِها حاوَلَتْ ( Aelders) أَنْ تُأَسِّسَ نادِيًا لِحَرَكَةِ تَحْرِيرِ المَرْأَةِ، ونَتَجَ عَنْ هَذا أنْ أصْبَحَ للزَّوْجَةِ - مِثْلَ الزَّوْجِ - حَقُّ طَلَبِ الطلاقِ؛ ورِضا الأمِّ مَطْلُوبًا - كُمُوافَقَةِ الأَبِ - لتَزْوِيجِ صغارِ الأبناء، وعُدَّ هَذا مِن المَكاسِب!!، ثُمّ ازْدادَ نُفُوذ المَرْأةِ سِياسِيًّا! وأُرْخِيَتْ لَهُنَّ حِبالُ الأخْلاقِ والثِّياب!، حَتى قالَ (نابِلْيُونُ) فِي عامِ (1795) ؛ وكان قَدْ بَلغَ من العُمُرِ سِتَّةً وعِشرينَ عامًا: علَى المَرْأةِ كَي تَعْرِفَ ما لَها من سُلْطانٍ أن تَعِيشَ فِي بارِيسَ سَتَّةَ أشْهُر!.
وفِي إيطالِيا؛ بَعْدَ عامِ (1807) بَدَأَ تِ المُناداةُ بالتَّحَرُّرِ من سُطَانِ الوالِدَينِ؛ ومِن الروابِطِ الاقْتِصادِيَّةِ؛ ومِن المُحَرَّمات!؛ كما بَدَأتْ دعْوى المُطالَبَةِ بِحُقُوقِ المَرْأة.
وقَدْ وَجَدَتْ هَذهِ الحَرَكاتُ مُعارَضاتٍ مِن آخِرِينَ لَمْ يُسَلِّمُوا بِهَذَهِ المَطالِب، واعْتَبَرُوها خَلَلًا فِي النظامِ الاجْتِماعِي، مِن أَمْثالِ (لويس جبريل Louis Gabriel ) ؛ الذِي هُدِّدَ فِي أحْداثِ الثورَةِ الفِرَنْسِيَّةِ لِمُعارَضَتِهِ لَها؛ ثمَّ فَرَّ إلَى ألْمانيا؛ ثُمَّ عادَ إلَى فَرَنْسا عامَ (1796) ؛ ودافَعَ عن السلطَةِ الأبَوِيَّةِ فِي الأُسْرَةِ؛ وعارَض الطلاقَ؛ وحُقُوقَ المَرأةِ؛ واعْتَبَرَ ذلكَ مُدَمِّرًا للأُسْرَةِ والنظامِ الاجْتِماعِي.