الصفحة 115 من 159

وَعُقِدَ مُؤْتَمَرٌ فِي فَرَنْسا سَنَةَ (586) للمِيلادِ؛ وذلكَ قَبلَ الإسلامِ؛ للبَحْثِ فِي المَرْأَةِ؛ هلْ هِيَ إنْسانٌ أمْ لا؟!؛ وخَلَصُوا إلَى أَنَّها إنْسانٌ؛ نَعَمْ؛ لكِنّها لَمْ تُخْلَقْ إلا لِخِدْمَةِ الرجُلِ فَحَسبُ.

وكانَتْ المَرْأَةُ فِي أَوْرُوبا؛ أثْناءَ القُرُونِ الوُسْطَى خاصَّةً؛ (500 - 1500) للمِيلادِ؛ تَتَعَرَّضُ لأشَدِّ الظُلْمِ وأَعْنَفِهِ، حَتَّى كَثُرَتْ حَوادِثُ حَرْقِ النساءِ أَحْياءً!، وكانَتْ المَرْأةُ تُورَثُ كُما تُورَثُ الأمْلاك، وللرَّجُلِ الحَقُّ فِي بَيْعِ امرَأتِهِ بِأَبْخَسِ الأَثْمانِ، ولَمْ يُلْغَ قانُونُ البَيْعِ فِي بِريطانِيا -وكانَ سارِيا إلَى سَنَة 1805 للمِيلاد - إلا فِي القَرْنِ التاسِعِ عَشَرِ؛ حَيْثُ كانَتْ قِيمَةُ المَرْأةِ هُناكَ نَحْوُ سِتّةِ (بِنْساتِ) !؛ و (البِنْسُ) جُزْءٌ مِن مائَةِ جُزْءٍ منَ الجُنَيْهِ الإنْجِلَيزِي!!.

بَلْ إنّ المَرْأَةَ هُناكَ بَقِيتْ مَنْبُوذَةً يَعُدُّونَها دُونَ الرَّجُلِ إلَى ما بَعْدَ عَصْرِ النَّهْضَةِ! علَى يَدِ (مارتِنْ لُوثَر) ؛ وما بَعْدَ عَصْرِ الثَّوْرَةِ الفَرَنْسِيَّةِ؛ فَكانَتْ مَمْنُوعَةً مِن التعْلِيم فِي أنْحاءِ أَوْرُوبا؛ ولَمْ يُسْمَحْ لَها بالتَّعْلِيمِ الثانَويِّ فِي فَرَنْسا إلاَّ فِي سَنَةِ (1924) ، بلْ كانَ القانُونُ الفَرَنْسِيٌّ يُلْحِقُها بالقاصِرِينَ الذينَ يُحْجَرُ علَيهم؛ فهِيَ كالمُجْنُونِ والصّبِي!؛ ولمَ يُعَدَّلْ القانُونُ إلاّ فِي سَنَةِ (1938) .

وفِي عَهْدِ المَلِكِ (هِنْرِي الثامِن) مُنِعَتْ بِقَرارٍ مِن البَرْلَمانِ الإنْجلِيزِي مِن قِراءَةِ الإنْجِيلِ؛ لأنَّها نَجِسَة!، وفِي القَرْنِ الخامِسِ عَشَرَ شُكِّلَ فِي (بريطانِيا) مَجْلِسٌ خاصٌّ بِتَعْذِيبِ النّساءِ؛ ونَصَّتْ بَعْضُ مَوادٍّ القانُونِ علَى تَعْذِيبِهِنَّ أحْياءً بالنار!، وكانَتْ تُمْنَعُ مِن التصَرُّفِ فِي أمْلاكِها إلاّ تَحْتَ سُلْطانِ الزوج؛ وظلّتْ كذلكَ إلى أوائلِ القَرْنِ العِشْرِين.

والذي حَمَلَهُمْ علَى هَذا ما صَنَعُوهُ مِن التَّحْرِيفِ فِي الإنْجِيلِ، حَتَّى صارَ ذلكَ عَقِيدَةً فِيهم! ...

فَفِيهِ مَثَلًا: يَقُولُ الربُّ: سَأزِيدُ آلامَكِ بالحَمْلِ والوِلادَةِ، ورَغَباتُكِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ لِزَوجِكِ، وهُوَ لَهُ اليدُ الطولَى علَيكِ.

وفِيه: علَى المَرْأَةِ الصمْتُ والإذْعانُ للزوجِ، وهُو لَهُ اليَدُ الطُّولَى عَلَيْها؛ لأنّ آدَمَ خُلِقَ قَبْلَ حَواءَ، وهِيِ أوقَعَتْهُ فِي الخَطِيئَةِ.

وفِيه: إنَّ يَسُوعَ المَسيحَ يَقُودُ الرَّجُلَ، وإنَّ الرجُلَ يَقُودُ المَرْأَة!.

ولِهَذا كانَ (مارْتِن لُوثَرْ) يَقُول: إنَّ آدَمَ خُلِقَ سَيِّدًا للكائِناتِ؛ ولكنّ حَواءَ أفْسَدَتْ هَذهِ المَيْزَةَ!، ولذا علَيها البقاءُ فِي البَيتِ للحَمْلِ؛ والقِيامُ بأعْباءِ البَيْتِ!.

ومَعْنَى هَذا: أنَّ إلزامَها البَيتَ؛ وقيامَها بأعْباءِ الحَياةِ الزوْجِيَّةِ عُقُوبَةٌ لَها علَى ما صَنَعَتْ بآدَمَ علَيْها السلام!.

وكانَ القانُونُ فِي أمريكا لا يُقِيمُ للمَرْأةِ المُتَزَوِّجَةِ وَزنًا، ولا يَسْمَحُ لَها بِمُخاصَمَةِ زَوجِها إلَى القَضاءِ؛ بل ويُعْطِيهِ الحَقَّ فِي ضَرْبِها ضَرْبا مُبَرِّحًا وحَبْسِها دُونَ مُعاقَبَةٍ تَنالُه!، ولَهُ الحَقُّ فِي طَلاقِها وحَضانَةِ الأولادِ دُونَها، وعَلَيْها دَفْعُ ضَرِيبَةِ المِلْكِيَّةِ عَن الزوْجِ، وإنْ عَمِلَتْ عَمَلًا فَأجْرُها دُونَ أجْرِ الرجُلِ؛ أما المِهَنُ الشريفَةُ كالطبِّ والتمْرِيضِ فِهيَ مَمْنُوعَةٌ عَنْها؛ وإنّما عَمَلُها فِي خِدْمَةِ المُسافِرينَ والحِياكَةِ ونَحْوها مِن المِهَنِ، أما التّعْلِيمُ فَقَدْ كُنَّ مَمْنُوعاتٍ مِنه؛ ولم يُسْمَحْ لَهُنَّ بالدراسة فِي الكُلِّياتِ والجامِعاتِ إلاّ بعْدَ إنشاءِ كُلِّيَّةِ (أُوبَرْلِين) فِي (أُوهايُو) .

ولَمْ يَتَغَيرْ هَذا الوضْعُ إلا فِي سَنَةِ (1848) ؛ وذَلكَ بَعْدَ إِعْلانِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ اسْتِقْلالَها عامَ (1776) ، وكانَ التَّغَيُّرُ علَى يَدِ (إليزابِيثْ سْتانْتُون) وأُخْرَياتٍ مَعَها طالَبْنَ بِرَفْعِ المَظالِمِ عَن المَرْأةِ اسْتنادا إلَى ما جاءَ فِي وَثِيقَةِ الاستِقْلالِ مِن أنَّ اللهَ خَلَقَ الرجُلَ والمَرْأةَ مُتساوِيَيْنِ فِي الحُقُوقِ والواجِباتِ!، وأنَّ لكِلَيْهِما الحَقَّ فِي حَياةٍ هانِئَةٍ كَرِيمَة، وَقَدَّمْنَ وثِيقَةً تَطالِبُ بِذلكَ تُعْرَفُ بِوثِيقَةِ المَطالِبِ الوِجْدانِيَّةِ؛ قوبِلَتْ بدايَةً باستِنكارٍ بالغٍ من المُجْتَمعِ؛ وأصْبَحَتْ عُرْضَةً للتَّنَدُّرِ والسخْرِيةِ!، ولَمْ تَصِلْ نِسبَةُ المُتَعَلِّماتِ من النساءِ إلى نَحْو (19%) إلا فِي أوائلِ القَرْنِ العِشرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت