فاللغة الأولى هي شريعة الغاب: القوي فيها يأكل الضعيف ولا يوجد أي ظل لأي قانون ضمن الدولة الواحدة أو بين الدول، وهي مرحلة مشى فيها الجنس البشري، وهو يودعها تقريبًا الآن، وقد يعترض من يقول: لا، إن الوضع لم يتغير، وهذا ينسف كل إمكانية أو تحقيق أي تطور عن الإنسان والجنس البشري عمومًا، وهو تصور غير صحيح، في ضوء إنجازات الجنس البشري حتى الآن، من نظام الأمم المتحدة، ومحكمة لاهاي للعدل الدولي، ومنظمات حقوق الإنسان، ومعاهدة جنيف لأسرى الحرب، ومنظمة الهلال والصليب الأحمر الدوليين… الخ. وهذا لا يعني الكمال في الإنجاز، ولكنها خطوة متواضعة، في طريق تحقيق الكمال الإنساني، والدولة العالمية الواحدة، لتأمين الخبز، ودحر المجاعات، واحتكار السلاح، وإيقاف الحروب.
واللغة الثانية هي لغة الديموقراطيات الغربية: وتؤمن بالعنف لإطاحة الحكومات الظالمة المستبدة، وتحرم العنف بعده، ويصب معهم في الاتجاه نفسه تيار (الخوارج) من التاريخ الإسلامي، الذين لم يؤمنوا باستقراطية الحكام (أن يكونوا من قريش مثلًا) ، فالإنسان الأسود (كونه من الشرائح المستضعفة في قاع المجتمع) يمكن أن يتولى منصب الرئاسة، كما هو الحال في نيلسون مندلا، في جنوب أفريقيا الآن، وهذا التصور كان مستحيلًا في تلك الأيام، كما آمنوا بالثورة المسلحة، لتغيير الحاكم المنحرف (وهو ما تفعله جماعات الإسلام السياسي في الوقت الحاضر، حيث أحيت مذهب الخوارج من جديد) ، فالخوارج رأوا في الحكم الأموي، أنه غير إسلامي وظالم؛ فوجب الإطاحة به، على كل حال هم يُكَفِّرون مرتكب الكبيرة، ولقد كفَّروا عليًّا واستباحوا دمه، ثم قتلوه في النهاية، وقد استنفدوا طاقتهم في الصراع مع الأمويين، وجعلوا الدولة الأموية تنزف حتى الموت، وسقطت كالتفاحة الناضجة ليست بأيديهم، ولا بأيدي آل البيت المنتظرين بفارغ الصبر، بل بيد العبّاسيِّين المحنَّكين، المختبئين في الظلام المجهولين!