الصفحة 46 من 57

وأما ثانيًا: فما أعرف"أن كثيرًا من العلماء يرى أن الحدود لا تثبت بأحاديث الآحاد"وما أرى لهذا دليلًا ولا شبه دليل. وإنما يتلاعب بعض المتقدمين ممن يرون نفي السنة كلها، منهم من يصرح، ومنهم من يتحايل بمثل هذه الألفاظ الموهمة. وقد تكفل العلماء بالرد على نفاة الأحاديث، وعلى متأوليها المتلاعبين بها، وعلى من زعم تحكيم اصطلاحات المتكلمين في الشريعة وأدلتها، فيفرقون بين"القطعي"و"الظني"ويزعمون أن الأحاديث كلها من"الظني"وأن"الظن"الذي هو الشك أو نحوه لا يصلح دليلًا. وأنا أعتقد أن الأستاذ المؤلف العلامة يعرف من هذا الشيء الكثير ويعرف أن دلالة الأحاديث الصحيحة دلالة قطعية في مجموعها، وأن اختلاف العلماء على اختلاف الروايات في بعض الشيء منها، لا ينفي حجتها القطعية فيما دل عليه مجموعها، ولا يبطل الاحتجاج بتفاصيلها المختلف فيها في الرواية بعد الاجتهاد في الترجيح. وقد قلت في نحو هذا المعنى في شرحي على"اختصار علوم الحديث"تأليف الحافظ ابن كثير (ص25) "والحق الذي ترجحه الأدلة الصحيحة ما ذهب إليه ابن حزم ومن قال بقوله من أن الحديث الصحيح يفيد العلم القطعي، سواء أكان في أحد الصحيحين أم في غيرهما. وهذا العلم اليقيني علم نظري برهاني، لا يحصل إلا للعالم المتبحر في الحديث، العارف بأحوال الرواة والعلل".

وأما ثالثًا: فإن الأمر بقتل المرتد عن الإسلام لم يثبت بما يسميه المؤلف العلامة"حديث الآحاد"، وإنما هو شيء ثابت بالسنة المتواترة، معلوم من الدين بالضرورة، لم يختلف فيه العلماء، أعني لم يختلفوا في أن"المرتد يقتل"، أعني أنهم لم يختلفوا فيما يسميه الناس في اصطلاحهم اليوم"المبدأ"وإن اختلفوا في بعض التفصيل، تبعًا لاختلاف النظر في التطبيق، تطبيق"المبدأ"على الفروع، وتطبيقه على الحوادث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت