وما ذكره الشيخ البهوتي من أنه إذا قتل المرتَدَ غيرُ الإمام عُزِّر ولم يضمن، لم يختلف عليه أهل العلم وهو شائع في كتبهم، ولكنه ينبغي أن يُحمل على من استفاض كُفره وثبت عليه ولم تُعرف له توبة، فهذا هو الذي إذا قتله آحاد الرعية لايضمن دمه، وقد يجب هذا على آحاد الرعية إذا كان الإمام متهاونًا في إقامة الحدود. ومن هذا الباب ما نُقل من تحريض السلف على قتل بشْر المريسي عندما أكفروه لقوله بخلق القرآن وتهاوَنَ الأئمة في عقابه، ففي هذا قال عبد الملك بن الماجشون ــ صاحب الإمام مالك ــ (من قال القرآن مخلوق فهو كافر، وقال: لو وجدت بشر المريسي لضربت عنقه) وقال عبدالله بن المبارك ــ محرضًا على قتل بِشر ــ (خيبة ً للأبناء أما فيهم أحدٌ يفتك ببشر) . رواهما عبدالله بن أحمد بن حنبل في كتابه (السنة) صـ 40 و 37، ط دار الكتب العلمية 1405هـ.
(11) قولي ــ في قاعدة التكفير ــ (وإن كان ممتنعا بشوكة أو بدار الحرب جاز لكل أحد قتله وأخذ ماله بغير استتابة، وينظر في هذا إلى المصلحة والمفسدة ... ) فهذا حكم المرتد الممتنع عن القدرة.
والمرتد الممتنع: قد يكون ارتد في دار الإسلام وبقي فيها ممتنعا عن قدرة السلطان بالسلاح والأعوان، وقد يكون ارتد في دار الإسلام وفرّ إلى دار الحرب، وقد يكون مقيما بدار الحرب وقت ارتداده وبقي فيها.
فإذا ثبتت ردته بشهادة عدلين أو باستفاضة بدون شبهة أو احتمال ــ وهذا لايثبت إلا بقضاء قاضٍ أو بفتوى مفت ٍ ــ جاز لكل أحد قتله وأخذ ماله، بغير استتابة، وهذا من الفروق بين المقدور عليه والممتنع، وقد سبق كلام الشيخ البهوتي في هذا، وقال ابن قدامة رحمه الله (ولو لحق المرتد بدار الحرب لم يزل ملكه، لكن يباح قتله لكل أحد من غير استتابة وأخذ ماله لمن قدر عليه لأنه صار حربيا حكمه حكم أهل الحرب) (المغني مع الشرح الكبير) 10/ 82، وذكر مثله ابن مفلح الحنبلي في (الفروع) 6/ 175 ــ 176. ودليله إهدار النبي صلى الله عليه و سلم لدم عبدالله بن سعد بن أبي السرح لما ارتد وفرّ إلى مكة قبل فتحها، فامتنع بفراره إلى دار الكفر عن سلطان المسلمين، وقصته مروية بأسانيد صحيحة ومذكورة بالتفصيل في (الصارم المسلول) لابن تيمية، صـ 109 ــ 118، ط دار الكتب العلمية 1398 هـ. وقال ابن تيمية رحمه الله (ولأن المرتد لو امتنع ــ بأن يلحق بدار الحرب أو بأن يكون المرتدون ذوي شوكة يمتنعون بها عن حكم الإسلام ــ فإنه يقتل قبل الاستتابة بلا تردد) (الصارم المسلول) صـ 322، وقال أيضا (على أن الممتنع لايُستتاب، وإنما يُستتاب المقدور عليه) (الصارم المسلول) صـ 325 ــ 326.