مثال ثان: وإن رجعوا مع شهود اليمين يضمن الثاني فقط كما إذا اجتمع السبب والعلة كشهود التخيير والاختيار.
مثال ثالث: فإن قال إن كان قيد عبده عشرة أرطال، فهو حر، ثم قال وإن حله آخر، فهو حر، فشهد شاهدان أنه عشرة أرطال فقضى القاضي بعتقه، ثم حله، فإذا هو ثمانية يضمنان قيمته عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى؛ لأن القضاء بالعتق ينفذ ظاهرا وباطنا عنده فالعلة لا تصلح لضمان العتق بخلاف رجوع الفريقين وعندهما لا يضمنان؛ لأن القضاء لا ينفذ في الباطن فيعتق بحل القيد.
ـــــــ
إذا قال رجل إن كان قيد عبده عشرة أرطال فعبده حر, ثم قال: وإن حل أحد قيد العبد, فهو حر فشهد شاهدان بأن القيد عشرة أرطال وقضى القاضي بعتق عبده فحل المولى قيد العبد, فإذا هو ثمانية أرطال فعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يضمن الشاهدان قيمة العبد; لأن قضاء القاضي نافذ ظاهرا وباطنا لابتنائه على دليل شرعي واجب العمل به فلا بد من صيانته عن البطلان بإثبات التصرف المشهود به مقدما على القضاء بطريق الاقتضاء بخلاف ما إذا بان الشهود عبيدا, أو كفارا, فإنه لا عبرة بالقضاء حينئذ لإمكان الوقوف على حقيقة الرق والكفر. وفيما نحن فيه قد سقط حقيقة معرفة وزن القيد; لأنه لا يمكن إلا بحل القيد, وإذا حله يعتق العبد, وإذا نفذ القضاء ظاهرا وباطنا تحقق العتق قبل الحل, فلم يمكن إضافته إليه والعلة أعني التعليق غير صالحة للإضافة إليها; لأنها تصرف من المالك في ملكه من غير تعد, ولا جناية كما إذا باع مال نفسه, أو أكل طعام نفسه فتعين الإضافة إلى الشرط, وهو كون القيد عشرة أرطال والشهود قد تعدوا بالكذب المحض فيجب الضمان عليهم.
وعندهما ينفذ القضاء ظاهرا لا باطنا; لأنه مبني على الحجة الباطلة إلا أن العدالة الظاهرة دليل الصدق ظاهرا فيعتبر حجة في وجوب العمل, وإذا لم ينفذ باطنا كان العبد رقيقا بعد القضاء ويعتق بحل المولى قيده, فلا يضمن الشهود. وما ذكرنا من أن العلة هي يمين المالك أعني تعليقه العتق هو المذكور في أصول فخر الإسلام رحمه الله وغيره, وهو الموافق لما تقرر عندهم من أن علل الاختصاصات الشرعية هي التصرفات المشروعة حتى لو ادعى شراء الدار وأقام البينة وقضى القاضي كانت علة الملك هي الشراء دون القضاء فما ذهب إليه المصنف رحمه الله تعالى من أن العلة هي قضاء القاضي بوقوع العتق محل نظر. والعجب أنه صرح في مسألة رجوع الفريقين أعني شهود التعليق وشهود الشرط بأن العلة هي شهود التعليق وهي صالحة لإضافة الضمان إليها; لأنها أثبتت العتق بطريق التعدي حيث ظهر كذبهم بالرجوع فلم كانت العلة في مسألة حل القيد هي قضاء القاضي دون تعليق المالك؟
والتحقيق أنه بان في الصورتين أن العتق لم يكن متحققا في الواقع, وإنما لزم بقضاء القاضي