فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 11953

وَجَمِيعُ ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالْكُفْرِ وَالإِيمَانِ خَلْقُهُ وَاخْتِرَاعُهُ, لاَ لِعِلَّةٍ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا عَاقَبَهُ عَلَى مَا خَلَقَهُ لَهُ كَانَ ظَالِمًا لَهُ، قِيلَ: لِمَ قُلْتَ ذَلِكَ؟ وَمَا يُنْكِرُ أَنَّ حَقِيقَةَ الظُّلْمِ هُوَ تَعَدِّي الْحَدِّ، وَالرَّسْمِ الَّذِي يَرْسِمُهُ الآمِرُ الَّذِي لاَ آمِرَ فَوْقَهُ، وَأَنْ لاَ يَكُونَ لِلظُّلْمِ مِنْهُ مَعْنًى, إِذْ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا تَقَعُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّعَدِّي، وَالتَّحَكُّمِ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ فَلاَ يَسْتَحِقُّ اسْمَ الظَّالِمِ، وَلَوْ سَاغَ مَا قُلْتَهُ لَمْ يَنْفَصِلْ مِمَّنْ قَالَ إِذَا أَمْكَنَهُ مِنَ الْكُفْرِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِالْكُفْرِ, لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُعَاقِبَهُ لأَنَّهُ يَكُونُ ظَالِمًا لَهُ حِينَئِذٍ، وَمَا الْفَصْلُ؟ وَكَذَلِكَ إِذَا خَلَقَ لَهُ الآلاَتِ، وَالْحَيَاةَ, وَالْقُدْرَةَ، وَالشَّهْوَةَ لِلْمَعَاصِي، وَعَلِمَ أَنَّهُ لاَ يَفْعَلُ بِهَا إِلاَّ كُفْرًا بِهِ، عَرَّضَهُ لِلْهَلاَكِ، وَالْعَطَبِ, فَيَكُونُ لَهُ ظَالِمًا، وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي إِيلاَمِ الأَطْفَالِ, وَالْمَجَانِينَ، وَالْبَهَائِمِ ظَالِمًا، وَلاَ مَعْنَى لِتَقْدِيرِ الْعِوَضِ فِيهِ، فَإِنَّ الْعِوَضَ لاَ يَحْسُن بِهِ الْقَبِيحُ فِي الشَّاهِدِ إِلاَّ بِمَرْضَاه، فَإِذَا كَانَ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْهُ غَيْرَ مَنْسُوبٍ إِلَى الظُّلْمِ لأَنَّهُ الْمَالِكُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ فِيمَا يَفْعَلُهُ فِي مُلْكِهِ غَيْرُ مُتَعَدِّ، ذَلِكَ مَا قُلْنَا لاَ فَصَلَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ قِيلَ: مَنْ خَلَقَ الْكُفْرَ كَانَ كَافِرًا, وَمَنَ خَلَقَ الظُّلْمَ كَانَ ظَالِمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت