قَالَ الأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرِ بْنِ فُورَكٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَوْ كَانَ كَلاَمُ الْبَارِي جَلَّ وَعَزَّ مُحْدَثًا كَانَ قَبْلَ حُدُوثِهِ مَوْصُوفًا, بِأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْهُ, كَمَا لَوْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ كَانَ مَوْصُوفًا بِجَهْلٍ وَآفَةٍ مَانِعَةٍ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَّا صَحَّ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي حَالٍ, كَمَا لاَ يَصِحُّ أَنْ يَعْلَمَ لَوْ كَانَ لَمْ يَزَلْ غَيْرَ عَالِمٍ، فَوَجَبَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا لِمَا لَمْ يَلْق بِهِ أَضْدَادُ الْكَلاَمِ مِنَ السُّكُوتِ، وَالْخَرَسِ, وَالطُّفُولِيَّةِ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: كَلاَمُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا، كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِضِدِّهِ, قَبْلَ خَلْقِهِ لَهُ, لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَخْلُوَ الْحَيُّ مِنَ الْكَلاَمِ وَضِدِّهِ، وَضِدُّ الْكَلاَمِ لَوْ كَانَ قَدِيمًا، لَمْ يَجُزْ عَدَمُهُ, وَكَانَ يُؤَدِّي إِلَى إِحَالَةِ، وَصْفِهِ بِالأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْخَبَرِ, وَذَلِكَ خِلاَفُ الدِّينِ، وَلأَنَّ الْكَلاَمَ لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا كَانَ لاَ يَخْلُو مِنْ أَنْ يَخْلُقَهُ فِي نَفْسِهِ, وَهَذَا مُحَالٌ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَخْلُقَهُ فِي غَيْرِهِ, لأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا فِي غَيْرِهِ لَكَانَ مُضَافًا إِلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ بِأَخَصِّ أَوْصَافِهِ كَسَائِرِ الأَعْرَاضِ, الَّتِي هِيَ عِلْمٌ وَقُدْرَةٌ، وَحَيَاةٌ إِذَا خَلَقَهَا فِي غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كَلاَمًا لِلَّهِ، وَلاَ أَمْرًا لَهُ، فَإِنْ قِيلَ: يَكُونُ كَلاَمًا لَهُ كَمَا يَكُونُ فِعْلُهُ تَفُضَّلًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ, قِيلَ: التَّفَضُّلُ هُوَ اسْمٌ يَعُمٌّ أَجْنَاسًا، وَنَحْنُ قُلْنَا: يُضَافُ إِلَيْهِ بِأَخَصِّ أَوْصَافِهِ، فَإِنْ كَانَ قُوَّةً أُضِيفَتْ إِلَى مَا خُلِقَتْ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ سَمْعًا وَبَصَرًا، فَكَذَلِكَ, فَقُولُوا: بِأَنَّهُ يُضَافُ إِلَيْهِ بِاسْمِ الأَمْرِ، وَالنَّهْيِ بِلَفْظِ الْكَلاَمِ، وَالْقَوْلِ, فَإِنْ لَمْ يُضِيفُوهُ لاَ بِالأَخَصِّ وَلاَ بِالأَعَمِّ، وَلاَ إِلَى الْجُمْلَةِ، وَلاَ إِلَى الْمَحَلِّ فَقَدِ افْتَرَقَ الأَمْرُ فِيهِمَا، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ كَلاَمُهُ غَيْرَ مَخْلُوقٍ, لَكَانَ لَمْ يَزَلْ مُخْبِرًا: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا} وَلَمْ يَزَلْ يُرْسِلُ وَذَلِكَ كَذِبٌ, قِيلَ: أَوَلَيْسَ قَدْ قَالَ: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} , وَلَمْ يَقُلْ بَعْدُ، أَفَهُوَ كَذِبٌ؟ فَإِنْ قَالَ, مَعْنَاهُ سَيَقُولُ, قِيلَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} فِي أَزَلِهِ خَبَرًا عَنْ أَنْ سَنُرْسِلَ نُوحًا قَبْلَ إِرْسَالِهِ، فَإِذَا أَرْسَلَ يُكَذِّبُ خَبَرًا عَنْ إِرْسَالِهِ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْدِثَ خَبَرًا، كَمَا أَنَّ عِلْمَهُ بِأَنْ سَيَكُونُ الدُّنْيَا عِلْمُهُ بِأَنَّهُ كَائِنٌ، وَإِذَا كَانَ لَمْ يَحْدُثْ عِلْمٌ, إِنَّمَا حَدَثَ الْمَعْلُومُ، وَالْمُخْبَرُ عَنْهُ دُونَ الْعِلْمِ وَالْخَبَرِ. فَإِنْ قَالُوا: لَوْ كَانَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا لَكَانَ لَمْ يَزَلْ آمِرًا، وَأَمْرُ مَنْ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ مُحَالٌ, قِيلَ: مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا لَمْ يَزَلْ آمِرًا فَهُوَ يَقُولُ, لَمْ يَزَلْ آمِرًا، لَهُ يَكُونُ عَلَى مَعْنَى إِذَا خُلِقْتَ وَبَلَغْتَ، وَكَمُلَ عَقْلُكَ، فَافْعَلْ كَذَا كَأَوَامِرِ الرَّسُولِ صَلى الله عَلَيه وَسَلم لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ