فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 11953

وَمُعْجِزَاتُ الرُّسُلِ كَانَتْ أَصْنَافًا كَثِيرَةً، وَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ أَعْطَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمِ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ: الْعَصَا، وَالْيَدَ، وَالدَّمَ، وَالطُّوفَانَ، وَالْجَرَادَ، وَالْقُمَّلَ، وَالضَّفَادِعَ، وَالطَّمْسَ، وَالْبَحْرَ.

فَأَمَّا الْعَصَا فَكَانَتْ حُجَّتَهُ عَلَى الْمُلْحِدِينَ, وَالسَّحَرَةِ جَمِيعًا، وَكَانَ السِّحْرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَاشِيًا، فَلَمَّا انْقَلَبَتْ عَصَاهُ حَيَّةً تَسْعَى، وَتَلَقَّفَتْ حِبَالَ السَّحَرَةِ وَعِصِيَّهُمْ، عَلِمُوا أَنَّ حَرَكَتْهَا عَنْ حَيَةِ حَادِثَةٍ فِيهَا حَقِيقَةِ، وَلَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ مَا يُتَخَيَّلُ بِالْحِيَلِ، فَجَمَعَ ذَلِكَ الدَّلاَلَةَ عَلَى الصُّانعِ، وَعَلَى نُبُوَّتِهِ جَمِيعًا.

وَأَمَّا سَائِرُ الآيَاتِ الَّتِي لَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهَا مَعَ السَّحَرَةِ، فَكَانَتْ دَلاَلاَتٍ عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ الْقَائِلِينَ بِالدَّهْرِ، فَأَظْهَرَ اللهُ تَعَالَى بِهَا صِحَّةَ مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ مِنْ أَنَّ لَهُ وَلَهُمْ رَبًّا وَخالِقًا.

وَأَلاَنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْحَدِيدَ لِدَاوُدَ، وَسَخَّرَ لَهُ الْجِبَالَ وَالطَّيْرَ، فَكَانَتْ تُسَبِّحُ مَعَهُ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ.

وَأَقْدَرَ عِيسَى ابْن مَرْيَمَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَى الْكَلاَمِ فِي الْمَهْدِ، فَكَانَ يَتَكَلَّمُ فِيهِ كَلاَمَ الْحُكَمَاءِ، وَكَانَ يُحْيِي لَهُ الْمَوْتَى، وَيُبْرِئُ بِدُعَائِهِ, أَوْ بِيَدِهِ إِذَا مَسَحَ الأَكْمَهَ، وَالأَبْرَصَ، وَجَعَلَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، فَيَنْفُخُ فِيهِ, فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ، ثُمَّ إِنَّهُ رَفَعَهُ مِنْ بَيْنِ الْيَهُودِ، لَمَّا أَرَادُوا قَتْلَهُ وَصَلْبَهُ، فَعَصَمَهُ اللهُ تَعَالَى بِذَلِكَ مِنْ أَنْ يَخْلُصَ أَلَمُ الْقَتْلِ، وَالصَّلْبِ إِلَى بَدَنِهِ، وَكَانَ الطِّبُّ عَامًّا غَالِبًا فِي زَمَانِهِ، فَأَظْهَرَ اللهُ تَعَالَى بِمَا أَجْرَاهُ عَلَى يَدَهِ، وَعَجَزَ الْحُذَّاقُ مِنَ الأَطِبَّاءِ عَمَّا هُوَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ بِدَرَجَاتٍ كَثِيرَةٍ، من أَنَّ التعويلَ عَلَى الطَّبَائِعِ، وَإِمْكَانَ مَا خَرَجَ عَنْهَا بَاطِلٌ, وإنَّ لِلْعَالَمِ خَالِقًا، وَمُدَبِّرًا، وَدَلَّ بِإِظْهَارِ ذَلِكَ لَهُ وَبُدُعَائِهِ عَلَى صِدْقِهِ. وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت