قَالَ: وَالآيَةُ فِيمَنْ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَ قَلْبُهُ، وَلَيْسَ ارْتِكَابُ الْمَعَاصِي, وَمُخَالَفَةُ الأَوَامِرِ مِنْ أَمَارَاتِ الْوَجَلِ، وَالآيَةُ فِيمَنْ إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِ آيَاتُ اللهِ زَادَتْهُ إِيمَانًا، وَلَيْسَ التَّخَلُّفُ عَنِ الْفَرَائِضِ، وَالْقُعُودُ عَنِ الْوَاجِبَاتِ اللَّوَازِمِ مِنْ زِيَادَةِ الإِيمَانِ بِسَبِيلٍ, فَصَحَّ أَنَّ الَّذِينَ نَفَيْنَا أَنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ حَقًّا، وَأَوْجَبْنَا أَنْ يَكُونُوا نَاقِصِي الإِيمَانِ غَيْرَ دَاخِلِينَ فِي الآيَةِ. قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبْ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} .
فَقَابَلَ بَيْنَ مَا حَبَّبَهُ إِلَيْنَا، وَبَيْنَ مَا كَرَّهَ إِلَيْنَا، ثُمَّ أَفْرَدَ الإِيمَانَ بِالذِّكْرِ فِيمَا حَبَّبَ، وَقَابَلَهُ بِالْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ فِيمَا كَرَّهَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِلإِيمَانِ ضِدَّيْنِ، أَوْ أَنَّ مِنَ الإِيمَانِ مَا نَقِيضُهُ الْكُفْرُ، وَمِنَ الإِيمَانِ مَا نَقِيضُهُ الْفُسُوقُ, وَفِي ذَلِكَ مَا أَبَانَ أَنَّ الطَّاعَاتِ كُلَّهَا إِيمَانٌ، وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الْفُسُوقُ تَرْكَ الإِيمَانِ وَاللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الإمام أحمد: وَفَصَلَ بَيْنَ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، وَفِي ذَلِكَ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ مِنَ الْمَعَاصِي مَا لاَ يُفَسَّقُ بِهِ، وَإِنَّمَا يُفَسَّقُ بِارْتِكَابِ مَا يَكُونُ مِنْهَا مِنَ الْكَبَائِرِ، أَوِ الإِصْرَارِ عَلَى مَا يَكُونُ مِنْهَا مِنَ الصَّغَائِرِ، وَاجْتِنَابُ جَمِيعِ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ, وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} .