وقال الحسن وقتادة: الكتاب: هو القرآن ، والحكمة هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم [1] ، وفسر ابن حزم الحكمة بأنها: (والآيات ما أنزل تعالى من القرآن والحكمة ما أوحى من السنة) [2] .
وقال المفسرون [3] :"يَتْلُو عَلَيهِمْ آياتِ اللهِ ، وَيُعَلِّمُهُمُ القُرآنَ ( الكِتَابَ ) وَيُعَلّمُهُمْ أَسْرَارَ الشَّرِيعَةِ وَمَقَاصِدَهَا بِسِيرَتِهِ فِي المُسْلِمِينَ ، فَيَكُونُ قُدْوَةً لَهُمْ ( السُّنَّةُ ) وَيُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ ( يُعَلِّمُهُمُ الحِكْمَةَ ) أَيْ إِنَّ الرَّسُولَ يُعَلِّمُهُمُ الخَيْرَ فَيَفْعَلُونَهُ ، وَيُبَصِّرُهُمْ بِالشَّرِّ فَيَجْتَنِبُونَهُ ، وَيُخْبِرُهُمْ بِرِضَا اللهِ عَنْهُمْ إِذَا أَطَاعُوهُ ، لِيسْتَكْثِرُوا مِنْ طَاعَتِهِ ، وَيَجْتَنِبُوا مَا يُسْخِطُهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ )"
وما ذكره العلماء هو عين الصواب: لأن الله ذكر الكتاب وعطف عليه الحكمة ، والعطف هنا يقتضي المغايرة: أي: أنهما شيئان لا شيء واحد ، وليس هناك شيء آخر مناسب غير"السنَّة"لاسيما وأنها ذكرت في مقام التفضل والامتنان من الله علينا بتعليمنا إياها ، وتزكيتنا ، وهدايتنا ، كما أنه تعالى ذكر ذلك في مقام الجزم أيضا إذ أوضح أنه لا مناص من بيان وتأكيد المعاني الشرعية التي أرادها إلا بالرجوع إلى سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا اعتبرت السنَّة هي المفسِّر الثاني للكتاب العزيز بعد الكتاب نفسه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا أَحْسَنُ طُرُقِ التَّفْسِيرِ ؟"
فَالْجَوَابُ: أَنَّ أَصَحَّ الطُّرُقِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُفَسَّرَ الْقُرْآنُ بِالْقُرْآنِ ؛ فَمَا أُجْمِلَ فِي مَكَانٍ فَإِنَّهُ قَدْ فُسِّرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَمَا اُخْتُصِرَ مِنْ مَكَانٍ فَقَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَإِنْ أَعْيَاك ذَلِكَ فَعَلَيْك بِالسُّنَّةِ فَإِنَّهَا شَارِحَةٌ لِلْقُرْآنِ وَمُوَضِّحَةٌ لَهُ ؛ بَلْ قَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ: كُلُّ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ
(1) - انظر:الفقيه والمتفقه للخطيب 1/88 بتصرف.
(2) - النبذ في أصول الفقه ص 57.
(3) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (ج 1 / ص 136)