ما وصل إليه العلم في زمانهم وفي مجالهم الذي يعرفونه ويفهمون دقائقه وتفصيلاته، كان ذلك هو الدليل على خلود الشريعة وخاتميتها وصلاحيتها على مدى الأزمان والعصور. فما كان من خصوصيات العصر والمكان والظروف والأحوال في عطاء الأقدمين تركناه وكان بالنسبة لنا مثالًا تطبيقيًا يدلنا على مدى الحكمة والفهم الذي تمتعوا به في محاولتهم لتنزيل المطلق الخالد على معطيات الواقع المحدد المحصور، وعلى مستوى التكيف مع الواقع عند محاولة الصياغة ليتوافق مع توجيهات الشريعة ومع قيم الوحي الخالدة.
إن روح قضية التجديد الذي ندعو إليه أيها الصديق إنما يتمثل في نشر الوعي بكليات الشريعة الخاتمة ومقاصدها وقيمها الحاكمة، حتى يتمكن أصحاب الاختصاص والخبرة في كل مجالٍ من إجراء عملية المطابقة والمساهمة في صياغة الواقع ليتوافق مع شريعة الإسلام، ولكي نتمكن في الوقت نفسه من تقويم عطاء الأجيال السابقة في محاولاتها الخاصة للحياة بالإسلام، ونميز بعد ذلك على ضوء المقاصد وعلى ضوء ما وصلت إليه المعرفة الإنسانية في كل مجال بين ما يجب أن نحتفظ به ونؤصِّله، وما يجب أن ننفيه عن الشريعة وننزهها عنه من الأفكار والاجتهادات البشرية التي ضمن الله - سبحانه - الأجر لأصحابها.
إن الفتوى التي نقلتها أيها العزيز عن المذهب الحنفي في قضية التداوي والعلاج تُعتبر مثالًا نموذجيًا لما يجب أن يتصدى له أهل الخبرة، بدل أن يركنوا إلى ورَعٍ باردٍ يحاولون به إعفاء أنفسهم مما يجب عليهم من الاطلاع بمهمةٍ لا يحسن القيام بها غيرهم.
وإنني لأؤكد أن الطبيب المسلم الحاذق من أمثالك - هو المرجع الوحيد الذي يستطيع أن يقرر غلَبةَ الظنِّ في الشفاء عند استعمال علاجٍ أو دواءٍ مستندًا في ذلك إلى خبراتٍ متراكمة وإحصائياتٍ متوفرة. وهو وحده الذي يستطيع أن يُرجّح ويوازن بين الاحتمالات وما كان منها أقرب إلى اليقين أو إلى الوهم والوسوسة.
وعندها فقط يمكن القول على بينةٍ ووضوح فيما إذا كان العلاج يندرج في مرتبة الواجب لأنه ضروريٌ في حفظ النفس، أم أنه ينتقل على سلّم الأهمية ليكون اختيارًا، بناءً على معطيات معينة كأن يكون ظنيّ النتيجة إلى درجةٍ كبيرة أو يصل الأمر ببعض أنواع العلاج إلى أن يكون مجرد وسوسةٍ ووهمٍ إذا ما قرر أهل الاختصاص بأنه لا علاقة بينه وبين الشفاء.
وكم كان عجبي شديدًا، صديقي العزيز، من كتابٍ صنّفهُ أحدُ علماء الشريعة وقرأتهُ حديثًا، وقد تكلّفَ فيه ما لا يُحسن و لا طاقة له به وهو