لأنه - صلى الله عليه وسلم - عمل بكل طاقته ووقته، لإبلاغ الناس، فدخل الناس كما هو معلوم سرًا، وخفية على خوف من الذين كفروا، ومنهم من أعلنها مدوّية، كعمر بن الخطاب، الذي فتح باب الجهر بالدعوة، ليمضي الوقت يسيرًا، حتى يتخطى هذا الدين أسوار الجزيرة العربية، لأول مرة، حينما حمل مجموعة من الصحابة، تلك الرسائل النبوية العظيمة، للدعوة إلى الله، الجديدة في أسلوبها، وهدفها، والبعد الإستراتيجي لغايتها، والسبب في ذلك، أن الأشخاص الذين وُجّهت إليهم تلك الرسائل، ليسوا من الناس العاديين، بل هم أشخاص، كلمة الواحد منهم، قد تدخل أمة من الناس في الإسلام، دون جهد أو عناء، وهذا من شدة بعد نظره - عليه الصلاة والسلام -، وهذا الهدف تمثل في مخاطبة ملوك الدول المجاورة لدولته - عليه الصلاة والسلام -، لدعوتهم إلى الإسلام، ليتحقق بعد ذلك عدة أهداف، منها: النّدية- (أسلم تسلم) ، هذا هدف، والهدف الثاني، فيما لو استجاب هؤلاء، أو بعضهم، ما هي المكاسب العظيمة للإسلام بعد دخول هؤلاء فيه .. ؟ والهدف الثالث فيما لو ردّ هؤلاء الملوك بالرفض وهذا حصل- فعندها الحجة قامت عليهم، فيما لو حصل قتال بعد ذلك.
وقد أسفرت هذه الرسائل عن نتائج متباينة، حسب تكوين الملوك الشخصي، فالنجاشي قد أسلم، وتم تحييد الأقباط في مصر، إلى درجة أن يرسل المقوقس، هدية إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي أمّنا، مارية القبطية، أم ولده إبراهيم رضي الله عنهما.
إذًا هذه الطريقة الرائعة التي سلكها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي الدعوة بالمراسلة، لأول مرة في تاريخ الإسلام، ألا ترون أننا نحتاجها اليوم، ولكن بطريقة مختلفة، وقد تكون فريدة لو طُبّقت في هذا الزمن، عصر الذرة، وعصر الهيمنة الغربية، وتخلّف الشعوب المسلمة وضعفها، فالشعوب المسلمة، اليوم بأمس الحاجة إلى من يلمّ شعثها، ويجمع فرقتها، ولا يمكن أن يتأتى لهم هذا حتى يعودوا إلى أنوار النبوة، التي خفتت في نفوسهم كثيرًا، ليستمدوا منها قبسًا يضيء لهم معالم الطريق من جديد.
ومن أنوار النبوة التي أريد أن أزيح عنها الغبار، وهي التي قد أُهملت، أو نُسيت، وهي مخاطبة ملوك ورؤساء الدول الأخرى من غير المسلمين، برسائل كتلك الرسائل التي أرسلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ملوك الدول في عصره - عليه الصلاة والسلام - مع ملاحظة فارق التوقيت-وندعوهم فيها إلى الإسلام، أليسوا بشرًا بحاجة إلى أن ندعوهم إلى الإسلام .. ؟ وننقذهم من سراديب الكفر والضلال .. ؟ فواجب علينا أن نبلّغ ديننا، حيث لم يُعذر أحد في ذلك"بلغوا عني ولو آية".