( كما أوجب )
لذوي النظر الصحيح
( توالي نعمائه تعالى المستمر )
أي تتابعها الدائم على سائر مخلوقاته مع تلبس الكثير من المكلفين بالكفر والعصيان والجحود والطغيان
( العلم )
القطعي لهم
( برحمانيته )
أي باتصافه بالرحمة الواسعة التي هي إفاضة الإنعام أو إرادة الإحسان وإلا لبادوا عند المخالفة ولم يمهلوا وقتا من الزمان كما قال الكريم المنان { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة } فاطر 45 ] إلى غير ذلك من آي القرآن وأنواع البرهان فسبحانه من إله وسع كل شيء رحمة وعلما وغفر ذنوب المذنبين كرما وحلما
( تنبيه )
وهذا من المصنف رحمه الله جار على منوال كون العلم الحاصل عقب النظر الصحيح واجبا أي لازما حصوله عقبه إما وجوبا عاديا كما هو منسوب إلى القاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين أو وجوبا عقليا غير متولد منه كما هو اختيار الإمام فخر الدين الرازي وكشف القناع عنه في الكتب الكلامية يعني وجب بخلق الله تعالى للعقلاء عقب نظرهم الصحيح في دوام تواتر نعمائه التي لا تحصى على العباد مع كثرة أهل الشرك والعصيان في كثير من البلاد العلم القطعي باتصافه سبحانه بهذه الصفة العظيمة التي هي من أصول صفاته الحسنى ونعوته العلى فاتحد هذان المطلبان في القطع دليلا ومدلولا وقد ظهر أن هاتين الجملتين خرجتا مخرج البيان والشهادة لبداعة هذا العالم كما هو مقتضى الاحتمال الأول فيما اشتق منه البديع هنا ولجملة وأنار لبصائر العقلاء طرق دلالته فلا جرم أن لهذا ولكونهما لا يصح تشريكهما في حكم ما قبلهما من الجملتين الأوليين إذ لا يصلح أن يقعا صلتين لما الأوليان صلتان له فصلهما عنهما وظهر أيضا أن إسناد دفع إلى نظام وأوجب إلى توالي إسناد مجازي لملابسة السببية كما في قوله تعالى { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } الأنفال 2 ] وأن قوله المستمر مرفوع على أنه صفة توالي كما أن المستقر مرفوع على أن صفة نظامه وتعالى جملة معترضة بين الصفة والموصوف للدلالة على الإجلال والتعظيم ثم كما أن لربنا تعالى علينا نعما يتعذر إحصاؤها كذلك لنبينا أيضا علينا منن يبعد استقصاؤها وهو أيضا الوسيلة العظمى إليه ومن رام إنجاح مطالبه فهو كل عليه فلا جرم أن أتى المصنف بتبجيله وتمجيده منسوقا على حمد الله وتوحيده فقال
( وصلى الله على رسوله محمد )
وكون الحمد في صورة الجملة الاسمية والصلاة في صورة الجملة الفعلية غير ضائر لاتفاقهما هنا في كونهما إنشاء وسيأتي في مسألة هل المشترك عام استغراقي في مفاهيمه أن الصلاة موضوعة للاعتناء بإظهار الشرف وتتحقق منه تعالى بالرحمة ومن غيره بدعائه له ثم كما قال بعض المحققين أجمع الأقوال الشارحة للرسالة الإلهية إنها سفارة بين الحق والخلق تنبه أولي الألباب على ما يقصر عنه عقولهم من صفات معبودهم ومعادهم ومصالح دينهم وديناهم ومستحثات تهديهم ودوافع شبه ترديهم والأصح أنها غير مرادفة للنبوة وبينهما