وقد قدم على الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - في المدينة النبوية وفد من نجران بين أربعة عشر وستين فردا - حسب الروايات - ، ومنهم العاقب وأبو الحارث والسيد ، فدار بين النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وبينهم حوار وحجاج حول طبيعة المسيح عيسى ابن مريم - عليهما السلام - . ثم عاد الوفد إلى نجران ، وكان بينهم حوار طويل حول ما دار بينهم وبين الرسول محمد صلى الله عليه وسلم - رجع بعده بعض أعضاء الوفد كالعاقب والسيد إلى المدينة النبوية ، ونطقا بالشهادتين ، ونزلا في بيت أبي أيوب الأنصاري (1) - رضي الله عنه - قرب المسجد النبوي بالمدينة المنورة (2) .
وعصر الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - كان حافلا بالعلاقات مع النصارى ، نتيجة لامتداد الفتح الإسلامي في الشام ومصر وما وراءهما . وكان يتخلل هذه الفتوح وقفات علمية تكون فيها مناقشات وحوارات حول موقف الإسلام من النصرانية والنصارى . وأبرز مثال على هذه الوقفات وقفة الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في بيت المقدس ، وموقفه من كنيسة القيامة وتجنبه الصلاة فيها . (3)
(1) أبو أيوب الأنصاري الخزرجي النجاري ، واسمه خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة عبد بن عوف بن غنم . شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وغزا مع يزيد بن معاوية الروم وتوفي في القسطنطينية سنة إحدى وخمسين . رضي الله عنه . انظر ترجمته عند ابن الأثير ، علي بن محمد الجزري ، عز الدين أبي الحسن . أسد الغابة في معرفة الصحابة . 6 مج - د . م .: دار الفكر ، د . ت . - 5 / 25 - 26 .
(2) يذكر ابن إسحاق أنهم ستون راكبا منهم أربعة وعشرون رجلا من أشرفهم ، ومن هؤلاء ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم: العاقب أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم ، واسمه عبد المسيح ، والسيد ثمالهم واسمه الأيهم ، وأبو الحارث بن علقمة أخو بكر بن وائل أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم . وكان مشرَّفا من ملوك الروم من أهل النصرانية . انظر خبرهم عند محمد بن عبد الوهاب وعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب . مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم - الرياض: مكتبة الرياض الحديثة ، د . ت . - ص422 - 429 .
(3) ينقل ابن كثير عن « أبي جعفر بن جرير » قوله: « . . . ثم سار حتى صالح نصارى بيت المقدس واشترط عليهم إجلاء الروم على ثلاث ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله - ص - ليلة الإسراء . ويقال إنه لبَّى حين دخل بيت المقدس فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود ، وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد فقرأ في الأولى بسورة ص وفي الثانية بسورة بني إسرائيل، ثم جاء إلى الصخرة فاستدلّ على مكانها من كعب الأحبار وأشار عليه كعب أن يجعل المسجد من ورائه فقال ضاهيت اليهود . ثم جعل المسجد في قبلي بيت المقدس وهو العمري اليوم ثم نقل التراب من الصخرة في طرف ردائه وقبائه ، ونقل المسلمون معه في ذلك ، وسخّر أهل الأردن في نقل بقيتها ، وقد كانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة لأنها قبلة اليهود ، حتى أن المرأة كانت ترسل خرقة حيضتها من داخل الالحوز لتلقى في الصخرة ، وذلك مكافأة لما كانت اليهود عاملت به القمامة وهي المكان الذي كانت صلبوا فيه المصلوب فجعلوا يلقون على قبره القمامة فلأجل ذلك سمي ذلك الموضع القمامة وانسحب هذا الاسم على الكنيسة التي بناها النصاري هناك » . انظر: ابن كثير ، أبو الفداء الحافظ . البداية والنهاية . - دقق أصوله وحققه أحمد أبو ملحم وآخرون . - 8 مج - القاهر: دار الريان للتراث، 1408 هـ 1988 م . - 4 / 57 .