هذا وسائل الركوب والاتصال وكل ما دخل على حياة الناس من وسائل الراحة التي سخرها الله تعالى لنا، بل إن هذا القيد يُخرج من البدعة أيضًا أمورًا حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقصد التعبد لله بذاتها، وإنما هي من الوسائل التي يوجد في أصول الشرع ما يدل على مشروعية اتخاذها لتحقيق مقصود الشرع، وذلك من باب أن الوسائل لها حكم المقاصد وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإذا دل الشرع على مقصد مشروع - كتسوية الصف في الصلاة - فلا مانع من اتخاذ وسيلة مباحة لتحقيق ذلك، طالما لم يرد التعبد بهذه الوسيلة وإن لم تكن موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومثال ذلك الخطوط التي ترسم في أرض المسجد فإن هذه لم تكن معروفة عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فإنها لا تعتبر بدعة لأننا لا نتعبد لله بها، وإنما نتعبد لله بتسوية الصف ونتخذ هذه الخطوط وسيلة لضبط ذلك، وكذلك ركوب السيارة إلى المسجد لا يراد منه التعبد بركوب السيارة، وإنما يتعبد لله بالسعي إلى المسجد وتتخذ السيارة وسيلة لتحقيق هذا المقصد المشروع، ومن ذلك أيضًا علوم النحو والإعراب ونقط المصحف وإعجام الحروف، فهي وسائل لحفظ القرآن الكريم ولكننا لا نتعبد لله تعالى بذاتها وإنما نتعبد لله بالمقصد الذي تبلغنا إياه.
إن تحرير هذا الضابط مفيد جدًا في التمييز ما بين البدع المذمومة والمستحدثات غير المذمومة، ويقطع دابر التشويش الذي يحدثه البعض حين يلبسون على الناس، فيوهمونهم أن دعاة الحق ممن يحاربون البدعة يريدون أن يعودوا بالناس إلى عصر الدواب والحمير والبغال، وهذا التشويش إرجافٌ وتضليلٌ بلا ريب، فدعاة الحق في كل زمان ومكان - نسأل الله أن يجعلنا منهم - ليس لهم همٌ سوى حمل الناس على متابعة هدي النبوة، ثم ليستمتعوا بما أباحه وسخره الله تعالى لهم في الكون ما شاؤوا، وهل كان ضلال أهل الكتاب إلا عندما فرطوا في هذه المتابعة فأحدثوا في دينهم وحرفوا كتاب ربهم حتى انتهى بهم الحال إلى عبادة العباد ومخالفة صراط رب العباد.
وهذا القيد يبين لنا ماهية البدعة سواء أكانت قولًا أم فعلًا، فالبدعة قد تكون في إحداث أمرٍ لا أصل له في الدين مطلقًا، كثالوث النصارى الذي لا أصل له في الدين البتة، أو في إحداث صفةٍ على أمر له أصلٌ في الدين، كطواف مشركي العرب بالبيت عراة لقولهم: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها [1] ، فالطواف بالبيت له أصلٌ في ملة إبراهيم عليه السلام، ولكن المشركين أحدثوا صفاتٍ في بقايا الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام بمحض عقولهم وأهوائهم، وهذا الضابط مفيد جدًا في تحرير الأعمال الموافقة للشرع، ذلك أن قبول العبادة منوط بأمرين هما تجريد القصد لله تعالى وتجريد المتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، فمتى اختل واحد من هذين الشرطين اختل العمل ورُد نسأل الله تعالى العافية من ذلك، ولئن كان حد البدعة
(1) الاعتصام - 26