فارموا. ثم قال:"يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" [1] ، فهذا صريح في النهي عن الغلو في الدين والمبالغة في التعبد لله تعالى بما لم يشرعه أو يأذن به الله تعالى.
4 -حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد" [2] ، فهذا صريح في عدم جواز الإحداث في الدين، وقوله (أمرنا) أي ديننا.
5 -عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس: تدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى:"والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم" [3] ، [4] . قلت: والشاهد في هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم (تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها) ، فهذا أصل في أن العبادة - وهي هنا السجود - توقيفية مطلقًا ولا يجوز إحداثها إلا بأمر من الشارع، وهذا ما يعبر عنه العلماء بقولهم: الأصل في العبادة الحظر. قلت: ويدخل في هذا كل سلوك يلتزمه العبد تجاه ربه تعبدًا وتألهًا له، فإنه لا بد وأن يكون بأمر من الله تعالى وإلا فهو رد كما تقدم في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
فهذه الأدلة صريحة في أن طريقة التعبد لله تعالى تفتقر إلى إذن الله عز وجل، وإنما بلغنا هذا الإذن عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن أراد لعبادته القبول فلا مناص له عن تجريد المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى:"قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" [5] ، قال ابن كثير رحمه الله:"هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" [6] ولهذا قال:"إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" [7] ، [8] ."
وفائدة هذا الضابط في تحرير مفهوم البدعة التمييز بينها وبين ما أحدث بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم مما لا يراد به التعبد بذاته، قال الإمام الشاطبي:"وقد تبين بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات" [9] ، قلت: ومثال
(1) سنن ابن ماجة - كتاب المناسك - باب قدر حصى الرمي- حديث 3029 - 2/ 1008، وصححه الألباني رحمه الله
(2) صحيح البخاري - 2/ 959 - حديث 2550
(3) سورة يس - 38
(4) صحيح البخاري - 3/ 1170 - حديث 3027
(5) سورة آل عمران - 31
(6) صحيح مسلم - كتاب الأقضية - باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الامور - حديث 1718
(7) سورة آل عمران - 31
(8) تفسير القرآن العظيم - ابن كثير - 1/ 359
(9) الاعتصام - 27