محمود وما خالفها فهو مذموم" [1] ، قلت: فهذه النقول عن علماء السلف ينصرف استعمال لفظ البدعة فيها إلى الاستعمال اللغوي كما هو واضح، أما في استعمال الشرع فإنك لا تكاد تجد نصًا من الكتاب أو السنة ورد فيه لفظ البدعة إلا وهو في مقام الذم، وهذا يدل على أن البدعة بالاصطلاح الشرعي مذمومة، ولا يصح حمل كلام العلماء على غير هذا."
يمكن القول أن إرهاصات البدع وبوادر أصول الفرق قد ظهرت في عصر النبوة، ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري قال: بعث عليٌ رضي الله عنه وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر؛ الأقرع بن حابس الحنظلي وعيينة بن بدر الفزاري وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بنى كلاب وزيد الخير الطائي ثم أحد بنى نبهان، قال فغضبت قريش فقالوا: أيعطي صناديد نجد ويدعنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم". فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس فقال: اتق الله يا محمد. قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فمن يطع الله إن عصيته؟ أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟! قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجلٌ من القوم في قتله - يرون أنه خالد بن الوليد - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن من ضئضئ هذا قومًا يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" [2] ، قال الإمام النووي رحمه الله: أي قتلًا عامًا مستأصلًا كما قال تعالى:"فهل ترى لهم من باقية" [3] ، [4] ثم مضى العهد النبوي، وظلت كلمة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم مجتمعة على الحق، إلى أن وقعت الفتنة كما ذكر محمد بن سيرين رحمه الله تعالى حيث قال:"لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا سمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" [5] ، وذلك حين وقع أول اختلاف في هذه الأمة وهو بزوغ الخوارج وخلافهم للصحابة رضوان الله عليهم وتحققت نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبي سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد الخدري فسألاه عن الحرورية: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها؟ قال: لا أدري من الحرورية ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، فيقرأون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم
(1) فتح الباري - ابن حجر - 13/ 253
(2) صحيح مسلم - 2/ 741 - حديث 1064
(3) سورة الحاقة - 8
(4) شرح صحيح مسلم - النووي - 3/ 132
(5) صحيح مسلم - 1/ 15