الصفحة 6 من 32

القاسم بن سلام وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن أسلم الطوسي [1] وغيرهم كثير بعدهم، فالحمد لله الذي عقد لواء السنة وقيض لرفعه رجالًا أفذاذًا هم الظاهرين على الحق بإذن الله إلى يوم الدين.

المطلب الثالث: ضوابط البدعة:

إن وقوع بعض التجوز في استعمال لفظ البدعة في كلام المتقدمين قد يوقع البعض في لبس وحيرة تجاه ما هو مذموم أو محمود من كل محدث جديد وقع بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما استحدث من علوم النحو والحديث والتفسير، فهذه لم تكن موجودة زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فهل يحكم عليها بالبدعة؟ وفي المقابل فإن البدعة المذمومة تتعلق بها أحكام وموجبات شرعية توجب بيان حدها بيانًا شافيًا ييسر التعامل معها بما يؤمن به جانبها، فلا تستشري ولا تعود على دين الناس بالفساد. ولقد تكلم الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى كلامًا نفيسًا في تحديد معالم وضوابط البدعة المذمومة ولكن كلامه جاء متناثرًا، فعسى أن ييسر الله تعالى جمع هذه الضوابط في هذا الموضع.

الضابط الأول: البدعة المذمومة يقصد بها الغلو في التعبد لله تعالى:

قال ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى:"قال بعض السلف: ما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيهما ظفر" [2] ، قلت: ومن هذا قوله تعالى:"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" [3] ، فهذا الإخبار حقيقته أمرٌ بالعبادة، ويأبى الشيطان إلا أن يكون له في هذا الأمر مهالك ومصارع ينصب لبني آدم شراكها، فإما أن يغويه إلى المعاصي فيقع في مهالك التقصير، وإما أن يدفعه إلى الغلو والاختراع والتقول على الله تعالى فيما يزين كونه عبادة وحقيقته مهلكة العبد، ذلك أن الله تعالى جعل العبادة موقوفة على أمر الله تعالى تأمل معي قول الله عز وجل:"ورهبانيةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعَوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثيرٌ منهم فاسقون" [4] ، فهذا إنكار من الله تعالى على النصارى في اختراع عبادة لم يكتبها أي لم يفرضها الله تعالى عليهم، والاستثناء في قوله تعالى (إلا ابتغاء رضوان الله) استثناء منقطع، وهو يبين مقصود النصارى من هذه الطريقة المخترعة وهو بزعمهم طلب رضوان الله تعالى، قال ابن كثير رحمه

(1) جامع العلوم والحكم - البغدادي - 1/ 130

(2) إغاثة اللهفان - ابن قيم الجوزية - 114

(3) سورة الذاريات - 56

(4) سورة الحديد - 27

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت