الله:"وقوله تعالى (إلا ابتغاء رضوان الله) فيه قولان؛ أحدهما أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قاله سعيد بن جبير وقتادة، والآخر ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله" [1] .
ولقد أشار إلى هذا الضابط الإمام الشاطبي في تعريفه المتقدم وذلك في قوله:"يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه" [2] ، وبين رحمه الله أن هذا القيد يحدد البدعة بما يقصد به التعبد لله تعالى على وجه الغلو، قال رحمه الله:"وهو تمام معنى البدعة إذ هو المقصود بتشريعها" [3] ، والنكتة في ذم هذا السلوك أن المبتدع تجاوز بمحض رأيه وهواه حد الشرع في العبادة، فلم يره كافيًا شافيًا وارتضى أن ينصب نفسه وهواه إلهًا يشرع أصل العبادة أو يطلق وصفها، ولقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة ونقول السلف على تحريم ذلك والمنع منه، وفيما يلي طائفة من هذه الأدلة:
1 -قوله تعالى:"أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله" [4] ، قال ابن جرير رحمه الله تعالى في تأويل الآية:"أم لهؤلاء المشركين بالله شركاء في شركهم وضلالتهم شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، يقول ابتدعوا لهم من الدين ما لم يبح الله لهم ابتداعه" [5] ، قلت: فهذا صريح في إنكار البدعة التي تضاهي الدين.
2 -قوله تعالى:"يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه فآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرًا لكم إنما الله إلهٌ واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلًا" [6] ، روى الإمام ابن أبي حاتم رحمه الله بسنده عن قتادة قال:"لا تغلوا في دينكم، يقول لا تبتدعوا"وذكر وجهًا ثانيًا بسنده عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول:"في قوله يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم: الغلو فراق الحق" [7] ، قلت: فهذه الآية تنكر بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ على النصارى غلوهم في دينهم حيث جاوزوا بعيسى عليه السلام من مرتبة النبوة إلى مرتبة الألوهية وما قصدهم من ذلك - بزعمهم - إلا عبادة الله عز وجل خابوا وخسروا، والشاهد هنا تحرير ضابط الغلو في التعبد لله تعالى وهو واضحٌ من جهة نسبة الغلو إلى الدين في هذه الآية وإنكار ذلك عليهم وبيان أنه فراق للحق.
3 -حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على ناقته القط لي حصى، فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: أمثال هؤلاء
(1) تفسير القرآن العظيم - ابن كثير - 4/ 316
(2) الاعتصام - الشاطبي- 1/ 24
(3) السابق - 1/ 26
(4) سورة الشورى - 21
(5) تفسير الطبري - 25/ 21
(6) سورة النساء - 171
(7) تفسير ابن أبي حاتم - 4/ 1180