الصفحة 12 من 32

خير من اجتهاد في بدعة" [1] ، ويفسره أيضًا قول حذيفة رضي الله عنه وكان مر بحلقة في المسجد:"اتقوا الله معشر القراء وخذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن تركتموه شمالًا ويمينًا ضللتم ضلالًا بعيدًا أو قال مبينًا" [2] ، قلت: وواضح من سياق الحال أن التنبيه والإنكار منصبٌ على صفة العبادة وإلا فإن أصل قراءة القرآن وتدارسه قد دل عليه دليل الشرع، فتأمل."

الضابط الثالث: البدعة تكون فعلية أو تركية:

وهذا الضابط الثالث يراد منه بيان أن البدعة لا تقتصر على اقتراف ما ليس بمشروع، بل قد تكون البدعة بترك ما هو مشروع، إذا كان مقصود هذا الترك التعبد لله تعالى بذلك، ولقد نبه الإمام الشاطبي رحمه الله على هذا حيث أشار في تعليقه على تعريف البدعة إلى أنه يدخل في عموم لفظها البدعة التركية إضافة إلى البدعة غير التركية، قال رحمه الله:"فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريمًا للمتروك أو غير تحريم" [3] ، ولكن مسألة الترك هذه بحاجة إلى تحرير، فليس كل ترك يعتبر بدعة، وإنما ينظر في هذا الذي تركه المكلف هل تركه لسبب معتبر شرعًا أو لا؟ فإن كان سبب الترك معتبر شرعًا - كأن يترك طعامًا يضره في صحته- فهذا لا حرج فيه من جهة حفظ النفس، وهو مقصد معتبر شرعًا، أو تركه خشية الوقوع في المحذور كترك المتشابه استبراءً لدينه وعرضه فهذا لا حرج فيه من جهة حفظ الدين، وهو بلا شك مقصدٌ معتبر شرعًا، أما إن كان الترك بغير سبب معتبر، فلا يخلو من أن يكون مجرد عبث لا يقصد به التعبد أو يقصد به التعبد؛ أما الأول فلا يعتبر بدعة لانخرام الضابط الأول ولكن يحترز من اعتقاد تحريم ما أحل الله، وأما الثاني فهو المقصود من وصف البدعة هنا وهو التعبد لله تعالى بترك ما أباحه الله تعالى، كأن يتعبد لله تعالى بترك لبس القطن أو بترك أكل الفاكهة، وإليك الدليل على ذلك:

1 -قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" [4] ، وفي الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا شيء، فقلنا ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"" [5] ، فهذا نصٌ صريحٌ في المنع من ترك المباحات مبالغةً في التعبد لله تعالى، قال إمام المفسرين ابن جرير في تأويل هذه الآية:"لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم، يعني بالطيبات اللذيذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب، فتمنعوها إياها

(1) المعجم الكبير - الطبراني - 10/ 207

(2) السنة - المروزي - 1/ 30

(3) الاعتصام - 28

(4) سورة المائدة - 87

(5) صحيح البخاري- كتاب النكاح - باب ما يكره من التبتل - 5/ 1953 - حديث 4787

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت