2 -قال الله تعالى:"وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرَّق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" [1] ، قال الإمام الشاطبي رحمه الله:"فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه وهو السنة، والسُبُل هي سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم وهم أهل البدع،" [2] ، قلت: وتأمل كيف جاء وصف الصراط المستقيم مفردًا في حين جاءت السبل المضاهية لطريق الشريعة بالجمع، وذلك بسبب تعدد الأهواء في مقابل طريق الحق. ولقد أجاد الإمام الشاطبي رحمه الله حيث نبه إلى أن هذه السبل الواردة في الآية لا يقصد بها المعاصي [3] لأنها - أي المعاصي - لم توضع لمضاهاة التشريع، أي ليس أحد من الناس يقترف المعصية وهو يرى أنها معصية ويزعم أنه يتقرب إلى الله تعالى بذلك، أما السبل والطرق والكيفيات المستحدثة فإنهم يقصدون بها التعبد لله تعالى، وهذه قد تشمل في بعض الأحيان أفعالًا هي بحد ذاتها من المعاصي ولكن الذين يمارسونها على سبيل التعبد لا يرون أنها معصية في هذا السياق.
3 -عن ابن عباس قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجلٍ قائم، فسأل عنه، فقالوا أبو إسرائيل؛ نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"مُره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" [4] ، والشاهد هنا أن هذا الرجل قد أدخل على عبادة الصوم المشروعة صفةً غير مشروعة بقصد التعبد لله تعالى - بدليل أنه نذر ذلك والنذر لا يكون إلا للعبادة - فألغى النبي صلى الله عليه وسلم الصفة غير المشروعة التي أدخلها الرجل على العبادة، وهي أن يصوم واقفًا في الشمس من غير كلام، وهذا صريح في أن إدخال صفة على العبادة التي دل الشرع على أصلها يعتبر بدعة مذمومةً وأنه يعود على العبادة بالبطلان ما لم يقلع عن هذه الصفة، وهذا ينطبق على كل العبادات المشروعة في أصلها كالتهجد مثلًا، فإنه نفلٌ مطلق فلا يصح تقييده بزمانٍ أو مكانٍ يعتقد فضله بدون دليل شرعي، لأن هذا التقييد صفة زائدة على العبادة، وقد رد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فلو اعتقد أن التهجد ليلة كل أربعاء له فضلٌ زائدٌ فهذه صفة بدعية لم يرد بها الشرع، وهكذا.
هذه بعض الأدلة التي تبين حقيقة هذا الضابط وأصله في الشرع، وهو ضابط مفيد جدًا في تمييز كثير من البدع التي تشكل على الناس لأن لها أصل في الشرع ولكن بغير الصفة المقحمة فيها، ولعل التمسك بصفة العبادة الشرعية دون غلو وابتداع هو مقصود عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله:"اقتصاد في سنة"
(1) سورة الأنعام - 153
(2) الاعتصام - 41
(3) السابق - بتصرف
(4) صحيح البخاري - كتاب الأيمان - باب النذر فيما لا يملك وفي معصية - 6/ 2465 - حديث 6326