وسلم في قوله إنه بين لنا كل ما يقرب من الجنة ويبعد من النار حاشاه بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، والذي يطالب بدليل بعد هذا فإنما هو مُكابرٌ جَحود لا شأن لنا به.
بهذا تجتمع لنا أربعة ضوابط تبين لنا حد البدعة بيانًا شافيًا يمكن أن نلخصه بقولنا: البدعة هي التعبد لله تعالى بما ليس له أو لصفته أصل في الشرع بالفعل أو الترك وكان الداعي إليه موجودًا والمانع مفقودًا زمن الوحي.
ولقد أطلت في هذا المطلب قليلًا لأن موضوع البحث كله مفرعٌ عليه، إذ لا يمكن المضي في بيان الأثر السيء للبدعة على الأمة قبل أن تتصور ماهية البدعة اصطلاحًا، ويستقر في الأذهان قبح هذه البدع شرعًا وعقلًا، وهنا مسألة وهي أنه لما أطلنا النفس في بيان وتحرير ضوابط البدعة فكذلك يجب أن يكون الدعاة إلى طريق السنة طويلي النفس مع من تلبسوا بالبدع، لا يأخذونهم بالشدة في موضع الرأفة ولا يحملونهم على الظن السيء ما وسعهم الظن الحسن، وليكن حال الداعي إلى السنة مع من خالف رسم النبوة كحال الطبيب مع المريض تلبسه المرض فجعل يترك الدواء تبرمًا ويعرض عنه تسخطًا، ولكنه في قرارة نفسه محتاج لهذا الدواء لا غني له عنه - بعد الله - في صلاح نفسه وبدنه، فليتأمل.
إذا علم أن البدعة ليست من الشرع فهي بالضرورة مضادة له، والدليل على ذلك أن الشرع قد حذر من هذه البدع ونهى عنها، ومعنى هذا أن البدعة ليست من أمور المباح التي يسع المرء فعلها أو تركها، بل هي من جنس المرض الذي لا بد من استئصاله لصلاح البدن، ولعل هذا المبحث الذي نستعرض فيه آثار البدع يؤكد لنا هذه الحقيقة بما لا يدع مجالًا للشك إن شاء الله تعالى. ولسوف أستهل هذا المبحث إن شاء الله ببيان الأثر العام المترتب على ظهور البدع والانتساب إليها والاجتماع عليها في مقابل منهج أهل الحق، ثم أستعرض بتفصيل مناسب بعض الآثار المترتبة على ظهور البدع في الأمة.
المطلب الأول: أثر البدعة في ظهور التفرق والاختلاف في الأمة:
لقد صح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" [1] ، ولقد جاء هذا الحديث بروايات عدة
(1) سنن الترمذي - كتاب الإيمان - باب ما جاء في افتراق هذه الأمة - 5/ 25 - حديث 2640، وفي الباب عن سعد وعبد الله بن عمرو وعوف بن مالك قال أبو عيسى حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح -