الصفحة 15 من 32

مجردًا، وسكت عما سوى ذلك كالاحتفال بيوم مولده ونهى عن صراحة عن بعض ذلك كالسجود له، فدل هذا السكوت على عدم مشروعية هذا الحد الزائد، لأنه لو كان مشروعًا لما سكت عنه الشارع كما أنه لم يسكت عن الصلاة عليه وعدم رفع الصوت بين يديه ونحو ذلك.

2 -وإما أن يكون السكوت عن الأمر بالكلية ولربما كان الداعي والمقتضي له موجودًا ولكن ثمة موانع من تشريع العمل، ومثال ذلك جمع المصحف فإن الداعي له هو الحفظ وهذا الداعي لا شك أنه موجود زمن النبوة، ولكن منع من تقرير حكمه استمرار الوحي، فلما انقطع الوحي بموت النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع المانع وبقي الدافع موجودًا، واحتاج الناس لأمر فوق ما كان مشروعًا زمن النبوة من حفظ وكتابة مفرقين في الصدور والسطور، فكان الأمر بجمع المصحف نوعًا من المصلحة المرسلة، ولا لعلاقة له بالبدعة البتة، وقل مثل هذا فيما أحدثه المسلمون من دواوين ووزارات وأنظمة للدولة ونحو ذلك.

ولعل البعض يقول بعد هذا كله، وما الدليل على كل ما تقدم؟ والجواب أن الدليل قد تقدم حيث أشرنا إلى أن كمال الشريعة يقتضي هذا الذي قرره الإمام الشاطبي، فلقد قال الله تعالى:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا" [1] ، فكون الشريعة كاملة يستلزم ما ذكرناه من أن كل الأحكام التي يحتاجها المكلفون قد بينها الشرع إما صراحةً أو ضمنًا، وإما بذكر آحادها أو بتقرير الأصول التي تتفرع عليها هذه الآحاد والجزئيات، ويشهد لهذا أيضًا حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما بقي شيء يُقرِّب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّن لكم" [2] ، وذكره المنذري عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ليس من عمل يقرب من الجنة إلا قد أمرتكم به ولا عمل يقرب من النار إلا وقد نهيتكم عنه" [3] ، قلت: وهذا يصلح أن يكون دليلًا عامًا على ما ذكرنا، ويدل عليه كلام الشاطبي رحمه الله حيث قال:"ودل على أن وجود المعنى المقتضي مع عدم التشريع دليل على قصد الشارع عدم الزيادة على ما كان موجودًا قبل، فإذا زاد الزائد ظهر أنه مخالفٌ لقصد الشارع فبطل" [4] ، فإذا نظرنا إلى الداعي للتشريع عمومًا وجدنا الرسول صلى الله عليه وسلم قد صرح به في الحديث ألا وهو القرب من الجنة والبعد من النار، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما حكم به الشرع من أحكام عملية تدل على ما يقتضيه هذا الدافع، وعليه فإن كل ما يأتي به أحد مما لم يَرِد عن طريق الشرع فإنه لا يحقق مقصود الشرع ولا يدل على مقتضاه، وإن من أتى ببدعة يزعم أنه تقرب إلى الله تعالى فقد كذَّب محمدًا صلى الله عليه

(1) سورة المائدة - 3

(2) المعجم الكبير - الطبراني - 2/ 155 - حديث 1647 وصححه الألباني في السلسة الصحيحة برقم 1803

(3) الترغيب والترهيب - المنذري - 2/ 339، ورواه الحاكم في المستدرك - كتاب البيوع - 2/ 5 - حديث 2136

(4) الموافقات- 2/ 291

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت