عليه وسلم:"من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تُخفروا الله في ذمته" [1] ، قال الحافظ ابن حجر في شرحه:"وفيه أن أمور الناس محمولة على الظاهر , فمن أظهر شعار الدين أجريت عليه أحكام أهله ما لم يظهر منه خلاف ذلك"، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وتجوز الصلاة خلف كل مسلم مستور الحال باتفاق الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين، فمن قال: لا أصلي جمعة ولا جماعة إلا خلف من أعرف عقيدته في الباطن فهذا مبتدع مخالف للصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وأئمة المسلمين الأربعة وغيرهم والله أعلم" [2] ،فالحاصل أن أتباع منهج الصحابة يأخذون بظواهر الناس التي قررها الشرع ولا ينقبون عما في قلوبهم ولا يمتحنون الناس بسؤالهم ماذا تقول في كذا وماذا تعتقد في كذا، وإنما هذا التفتيش والامتحان مسلك أهل البدع لأنهم محتاجون إلى هذا القمع حيث أعوزهم الدليل الشرعي والحجة العقلية.
وبعد، فهذه أهم الآثار العملية السيئة المترتبة على ظهور البدع وفشوها في الأمة، ولقد تبين من خلال هذا العرض الموجز لها أن أمر البدع كلها سيء وأن مآلها كلها إلى سوء، وأن لا مندوحة للأمة عن الاعتصام برسم النبوة للنجاة من هذه الفتنة التي تكاد تأتي على كل شيء، نسأل الله السلامة من ذلك.
إنه مهما أعيت المنافحَ عن السنة الحيلةُ في رد الخصوم وبيان تهافت الضلالات فإن له ملاذًا آمنًا لا يخذله البتة ألا وهو قوله تعالى:"ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلًا" [3] ، ومعلوم أن هذا التحاكم إنما ينضبط بمنهج الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كما تقدم في قوله تعالى:"ومن يشاقق الرسولَ من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولى ونُصلِه جهنم وساءت مصيرًا" [4] ، قال الإمام أحمد رحمه الله:"أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم" [5] ، ولهذا فإنك مهما وجدت صاحب فرقة وهوى يزعم الانتساب إلى الكتاب والسنة، فإنك لن تجده ينتسب إلى منهج الصحابة البتة، بل إن علامة أهل الفرقة ترك منهج الصحابة، وأمامك تاريخ الفرق وأهل الأهواء تأمله وراجعه لتوقن أن أحدًا منهم لا ينتسب إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء، ناهيك عن أن ينتسب إليهم بأصلهم البدعي المفارق، فمهما لبَّس هؤلاء بتأويل
(1) صحيح البخاري - كتاب الصلاة - باب فضل استقبال القبلة - 1/ 153
(2) مجموع الفتاوى - 4/ 331
(3) سورة النساء - 59
(4) سورة النساء - 115
(5) أصول السنة - الإمام أحمد