والحقيقة أن الأدلة في هذا المقام كثيرة، ويكفي ما قدمنا لبيان المقصود بهذا الضابط وهو أن البدعة لا تقتصر على تعاطي الأمور المستحدثة في الدين بالفعل، وإنما تشمل استحداث ترك مباحات طيبات بدافع توهم التقرب إلى الله تعالى بذلك، وهو ضابط مهم يقي المسلم من الوقوع في جملة من البدع قد لا يتنبه لها فيقع في الحرج في دينه ويفارق منهج نبينا صلى الله عليه وسلم.
لقد أشار الإمام الشاطبي في كتابه النفيس الموافقات إلى أمر دقيق جدًا فيما يتعلق بسكوت الشارع عن تشريع أمرٍ ما، أو بيان شرعية العمل به مع قيام المعنى المقتضي له، حيث نبه إلى أن سكوت الشارع عن الحكم يكون على ضربين اثنين؛ أحدهما أن يسكت الشرع عن الحكم لأن الداعي إليه والمقتضي له لم يوجد زمن النبوة، وإنما حدثت النازلة المقتضية لهذا الحكم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا القسم تجري فروعه على أصول الشرع المقررة، فيعرف الحكم من جهتها بالنظر الصحيح والقياس ونحوه، والضرب الثاني هو ما سكت الشارع عنه مع وجود المقتضي له زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقرر له حكمًا زائدًا على ما كان في زمانه صلى الله عليه وسلم، فهذا الضرب من السكوت فيه كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص، لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لتشريع الحكم العملي موجودًا ثم لم يشرع الحكم دلالةً عليه، كان ذلك صريحًا في أن الزائد على ما كان هنالك - أي زمن النبوة - بدعة زائدة ومخالفة لما قصده الشارع. [1]
وهذا الذي أشار إليه الإمام الشاطبي في غاية الحسن، ولعله يحتاج إلى تحرير بسيط فأقول والله المستعان إن هذه الشريعة شريعة كاملة تفي حاجة الناس إلى آخر الزمان، وإن النوازل المقتضية لحكم الشرع عليها لا تنتهي، فمنها ما قد حدث زمن الوحي ومنها ما يحدث بعد زمن الوحي، فأما ما يحدث بعد الزمن الوحي ولا سابق له في زمن الوحي فلا يخرج عن كونه جزئية أو فرعًا له أصلٌ في الشرع مقررٌ بحيث يمكن قياسه أو تخريجه عليه، ودليل ذلك نصوص الشرع الناطقة بكمال التشريع وبلزومه للناس إلى قيام الساعة، وهذا أمر مستفيض بل معلوم من الدين بالضرورة، وأما ما حدث زمن الوحي فهذا قد حكم الشرع عليه إما صراحةً أو ضمنًا، فأما صراحة فببيان الحكم عليه كما حدث في مسألة الأسرى يوم بدر مثلًا، وأما ضمنًا فبالسكوت عنه مع وجود ما يقتضيه وهذا السكوت على درجات هي:
1 -إما أن يكون السكوت عن حدٍ زائد على ما قرره الشرع: ومثال ذلك التشريعات العملية المتعلقة بحب الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن المقتضي الشرعي والعقلي لحب الرسول صلى الله عليه وسلم موجود زمن الوحي، وقد أقر الشرع التشريعات العملية المتعلقة بالدلالة على هذا الحب كتفضيله صلى الله عليه وسلم على النفس وكالصلاة عليه وكعدم رفع الصوت بحضرته وعدم مناداته باسمه
(1) الموافقات - الشاطبي - 2/ 287 - 288 بتصرف يسير