الصفحة 13 من 32

كالذي فعله القسيسون والرهبان، فحرموا على أنفسهم النساء والمطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة وحبس في الصوامع بعضهم أنفسهم وساح في الأرض بعضهم، يقول تعالى ذكره فلا تفعلوا أيها المؤمنون كما فعل أولئك ولا تعتدوا حد الله الذي حد لكم فيما أحل لكم وفيما حرم عليكم" [1] ."

2 -قال الله تعالى منكرًا على المشركين:"وقالوا هذه أنعام وحرثٌ حِجرٌ لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعامٌ حُرِّمت ظهورها وأنعامٌ لا يذكرون اسم الله عليها افتراءً عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون" [2] ، قال ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى (افتراءً عليه) :"أي على الله وكذبًا منهم في إسنادهم ذلك إلى دين الله وشرعه فإنه لم يأذن لهم في ذلك ولا رضيه منهم" [3] ، قلت: والآيات في القرآن التي تنكر على المشركين والكفار مثل هذه التحريمات كثيرة وكلها جاءت بلغة الإنكار، فلا حرام إلا ما حرم الله ولا حلال إلا ما أحل الله، ومن تعبد لله تعالى بشيء من التركيات ينسبه للدين بغير دليل أو إذن من الشرع فقد أعظم الفرية على الله، وبدهي أن تعبده هذا باطل وأن بدعته هذه مردودة.

3 -حديث أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" [4] ، فالنبي صلى الله عليه وسلم علل تعنت هؤلاء في العبادة بتوهم كونه دليلًا على التقوى والخشية لله تعالى، فبين لهم وللأمة صلوات الله وسلامه عليه أن هذا التلازم موهومٌ وباطل، وأن حقيقة الخشية والتقوى هي الوقوف عند أمر الله عز وجل بدليل أنه صلى الله عليه وسلم هو أتقى هذه الأمة وأخشاها لله، ومع ذلك لم يترك شيئًا مما أباحه الله تعالى معتقدًا القربة في ذلك، ولهذا فإن العلامة الحقيقية لتقوى الله تعالى وخشيته هي تجريد متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه هو الأسوة الحسنة الكفيلة بالوقوف عند حد الله وعدم تجاوز مقام العبودية بفعل أو ترك لم يأذن به الله تعالى.

(1) تفسير الطبري - 7/ 8

(2) سورة الأنعام - 138

(3) تفسير ابن كثير - 2/ 181

(4) صحيح البخاري - كتاب النكاح - باب الترغيب في النكاح - حديث 4776 - 5/ 1994

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت