خرجها الإمام الزيلعي رحمه الله حيث قال:"في الحديث (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين كلها في الهاوية إلا واحدة) قلت [1] : روي من حديث أبي هريرة ومن حديث أنس ومن حديث سعد بن أبي وقاص ومن حديث معاوية ومن حديث عمرو بن عوف المزني ومن حديث عوف بن مالك ومن حديث أبي أمامة ومن حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهم" [2] ثم أخذ يسرد هذه الطرق عن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم، ولعلي أثبت هنا ما ذكره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" [3] ، قال الترمذي حديث حسن صحيح وزاد الترمذي كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا من هي يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي" [4] ، وإنما أثبت هذه الزيادة لأهميتها في تحرير ضابط الفرقة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
هذا الحديث هو حديث الباب كما يقال، ولقد اعتنى العلماء والمحققون به سندًا ومتنًا بما لا مجال للخوض فيه في هذه العجالة، وموضع الشاهد في بحثنا هذا هو حصول الافتراق في أمة محمد صلى الله عليه وسلم مع تحرير ضابط هذا الافتراق ألا وهو مخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولعل هذا الضابط قد جاء صريحًا في حديث الصحيح عند مسلم من حديث حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال:"نعم". فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال:"نعم، وفيه دخن"قلت: وما دخنه؟ قال:"قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر"فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال:"نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها"فقلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال:"نعم، قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا"قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال:"تلزم جماعة المسلمين وإمامهم". فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال:"فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" [5] .
فهذان الحديثان يقرران لنا جملة من الأصول المهمة في مسألة الافتراق منها:
1 -إن هذا الافتراق حاصل في الأمة قدرًا لا أنه مرضي شرعًا، بل إن توطئة الخبر بذكر ما كان من الافتراق في بني إسرائيل دليل على أن سبب هذا الافتراق مخالفة الأمر الشرعي بلزوم
(1) القائل هو الإمام الزيلعي
(2) تخريج الأحاديث والآثار - الزيلعي - أحاديث سورة الأنعام - 1/ 447 - 448
(3) تقدم برقم 62
(4) سنن الترمذي - كتاب الإيمان - باب ما جاء في افتراق هذه الأمة - 5/ 25 - حديث 2641
(5) صحيح مسلم - باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن - 3/ 1475 - حديث 1847