الصفحة 18 من 32

السنة، وهذا ما عبر عنه الإمام الشاطبي رحمه الله بقوله إن الاختلاف المقصود في هذا الباب هو الاختلاف الكسبي [1]

2 -إن البدعة التي تؤدي بأهلها إلى هذا النوع من الافتراق تكون مخالفتها للملة الناجية في معنى كلي في الدين وقاعدة من قواعده، لا في جزئي من الجزئيات اللهم إلا أن تكثر الجزئيات فإنها حينئذٍ تجري مجرى الكلي [2] ، ويمكن الاستدلال على هذا باستدلال لطيف من حديث الافتراق المتقدم؛ فأنت ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر افتراق بني إسرائيل ثم ذكر افتراق النصارى وزادهم فرقة ثم ذكر افتراق أمة الإسلام وزادهم فرقة، فإذا اعتبرنا أن المقصود بأمته صلى الله عليه وسلم أمة الدعوة - وهو وجه في هذا الحديث - فإننا نرى أن اليهود افترقوا إحدى وسبعين فرقة إلى أن جاءهم عيسى عليه السلام فآمنت به طائفة وكفرت طائفة فكانت هذه التي كفرت به فرقة جديدة افترقت على أمر كلي في الدين يتعلق بالإيمان بنبي من أنبياء الله عز وجل هو عيسى عليه السلام، فأصبحوا ثنتين وسبعين فرقة، ثم جاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم فآمنت به طائفة من النصارى وكفرت طائفة، فهذه التي كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم قد أحدثت أمرًا في مسألة كلية من مسائل الدين وفارقت الجماعة بالكفر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه في كتابهم فزادت الفرق فرقة أخرى، ولست أقصد بهذا التأمل أن أثبت مفهوم عدد السبعين لأن الراجح فيه أنه لمطلق التكثير كما هو عند العرب، وإنما أردت أن أثبت أن ذكره صلى الله عليه وسلم فرقة زائدة في كل أمة إضافة إلى السبعين يقوي اعتبار مفهوم هذا العدد الزائد عن السبعين، ولا وجه لاعتباره إلا ما ذكرت من كفر طائفة من هذه الأمم بالنبي الذي بعث إليهم آخرًا [3] ، ووجه الدلالة هنا أن الافتراق إنما حصل بالاجتماع على أصل كلي بدعي فارقت به الفرقة منهج أهل الحق، والله تعالى أعلم.

3 -إن ضابط الفرقة إذًا هو الاجتماع على أصل بدعي تفارق به جماعة المسلمين منهجًا أو حسًا أو منهجًا وحسًا، وهذا صريح في قوله صلى الله عليه وسلم:"قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر" [4] ، وهو ما يشعر به قوله صلى الله عليه وسلم في بيان صفة الملة الناجية حيث قال:"ما أنا عليه وأصحابي" [5] فهذا يُفهم بالمخالفة أن ما ليس على نهجه صلى الله عليه وسلم ونهج صحابته فإنه ليس من الملة الناجية، وقد تقدم أن هذا الأصل البدعي إما أن يكون كليًا

(1) الاعتصام - 438 بتصرف

(2) الاعتصام - الشاطبي - 468 بتصرف يسير

(3) هذا التأمل من كلامي ولا أجزم به وإنما هو أمر بدا لي من خلال التدبر في هذه الزيادة العددية التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم وذلك عملًا بقاعدة"إعمال الكلام أولى من إهماله".

(4) تقدم برقم 67

(5) تقدم برقم 66

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت