من الدين أو يكون اجتماع جزئيات كثيرة فينزل منزلة الكلي بسبب ما يؤول إليه من معارضة قسم كبير من الدين.
4 -إن تهدد باقي الفرق بالنار وعيدٌ لا يستلزم الكفر وإن كان يحتمله، ولعل الصحيح في هذا المقام أن من هذه الفرق من يخرج بمفارقته الجماعة عن دائرة الإسلام فيكفر فيكون توعده بالنار نافذًا من جنس توعد الكفار بها، وتكون نسبة هذه الفرق إلى أمته صلى الله عليه وسلم باعتبار ادعائها ذلك، ومنها ما لا يخرج عن دائرة الإسلام العامة فيكون الوعيد من جنس وعيد عصاة الموحدين فهو في خطر المشيئة إن شاء الله عذبه بالنار وإن شاء عفا عنه، وتكون نسبة هذه الفرق إلى أمته صلى الله عليه وسلم نسبة صحيحة وإن كان فيها دخن كما بين النبي صلى الله عليه وسلم. وبهذا التحرير يندفع الإشكال الذي يورده البعض على حديث الافتراق ويزعمون به أن أهل الحق المنتسبين إلى نهج السنة والجماعة يسلطون سيف التكفير على رقاب الأمة، وهي فرية لا حظ لها من الحقيقة كما تبين.
هذه بعض الملاحظات التي أردت أن أثبتها في هذا المقام، حيث إنها تعين إن شاء الله على تصور ما يلي من بيان الآثار السيئة للبدع على هذه الأمة، والتي يمكن تلخيصها في أمر واحد هو الاختلاف والفرقة المذمومة، فالبدعة بكل بساطة طريق سالك إلى الفرقة والاختلاف المذمومين، لقد ثبت ذم هذا الاختلاف في نصوص كثيرة (منها) قوله تعالى:"ولاتكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات" [1] ، قال الإمام السيوطي رحمه الله:"أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الإختلاف والفرقة وأخبرهم أنما هلك من كان قبلكم بالمراء والخصومات في دين الله" [2] ، و (منها) قوله تعالى:"إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء" [3] قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:"وكانوا شيعًا: أي فرقًا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات فإن الله تعالى قد برأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مما هم فيه" [4] ، و (منها) قوله تعالى:"ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزبٍ بما لديهم فرحون" [5] ، قال الإمام الطبري رحمه الله:"وقوله (كل حزب بما لديهم فرحون) يقول كل طائفة وفرقة من هؤلاء الذين فارقوا دينهم الحق فأحدثوا البدع التي أحدثوا (بما لديهم فرحون) يقول بما هم به متمسكون من المذهب فرحون مسرورون يحسبون أن الصواب معهم دون غيرهم" [6] ، قال الإمام الطبري رحمه الله:" (فتفرق بكم عن سبيله) يقول فيشتت بكم إن اتبعتم السبل المحدثة التي ليست لله بسبل ولا طرق ولا أديان" [7] .
(1) سورة آل عمران - 105
(2) الدر المنثور - السيوطي - 2/ 289
(3) سورة الأنعام - 159
(4) تفسير القرآن العظيم - ابن كثير - 2/ 179
(5) سورة الروم - 31 - 32
(6) تفسير الطبري - 21/ 34
(7) تفسير الطبري - 8/ 88