واضحًا في الأمر المستحدث الذي لا أصل له في الدين، فإنه قد يلتبس على البعض بالنسبة لاستحداث صفة في العبادة التي لها أصلٌ في الدين، ولقد نبه الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى على جملة من هذه الصفات التي تضاد الشرع في معرض تعليقه على قيد مضاهاة الشريعة الوارد في تعريف البدعة فذكر أمورًا تضاد بها البدعة الطريقة الشرعية منها:
1 -وضع الحدود للعبادة: ومثال ذلك أن ينذر المكلف أن يصوم قائمأً، أو أن يقتصر على صنف من المأكل والمشرب، أو أن يلتزم صنفًا من الملبس ونحوه.
2 -التزام كيفيات وهيئات معينة: ومثال ذلك الذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، والرقص والهز مع الذكر، ونحوه.
3 -التزام العبادات المعينة في أوقات معينة لم يدل دليل الشرع على تفضيل أو تخصيص ذلك الوقت المعين: ومثال ذلك تخصيص يوم النصف من شعبان بالصيام وليلته بالقيام. [1]
فهذه صفات أدخلت على عبادات دل دليل الشرع على شرعيتها أعني العبادات، ولكن لم يدل على شرعية هذه الصفة المستحدثة. وهذا ضابطٌ عظيم في تمييز كثير من البدع، وإن كثيرًا من اللبس على العوام يحدث بسبب غياب هذا الضابط، فعلى سبيل المثال تجد كثيرًا من المسلمين يستشكلون الإنكار على اتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا، لأنهم يفعلون ذلك بدافع محبته صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم من الدين بل هي من الإيمان، ولكن كيفية التعبد لله تعالى بهذا الحب لا بد من أن تكون وفق طريقة الشرع، فالإنكار لا ينصب على التعبير عن حب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ينصب على طريقة التعبير هذه التي تمثل كيفية في هذه العبادة لم يأذن بها الشرع ولم يدل عليها.
أما أدلة الشرع على عدم مشروعية العمل المتلبس بهذا الضابط فأذكر منها ما يلي:
1 -قال الله تعالى:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا" [2] ، فهذا الدين كاملٌ في تشريعه وأحكامه وفروضه وسننه، ومن أتى بشيءٍ مُحدَثٍ ينسبه إلى الدين فقد نسب النقص إلى هذا الدين، وطعن في شهادة الله عز وحل على كمال الدين والعياذ بالله، بل ونسب الخيانة إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما قال ابن الماجشون: سمعت مالكًا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله يقول:"اليوم أكملت لكم دينكم"فما لم يكن يومئذِ دينًا فلا يكون اليوم دينًا. [3] اهـ.
(1) الاعتصام - 25 - 26 بتصرف
(2) سورة المائدة - 3
(3) الاعتصام - 33