الصفحة 5 من 32

شيء" [1] ، قلت: تأمل كيف قال:"يخرج في هذه الأمة ولم يقل منها"أي أن سبيل أهل البدع مفارق لسبيل أهل الحق، ووجود أهل البدع والأهواء بين ظهراني أهل السنة والحق ليس من قبيل الانتساب إليهم في شيء، وما أجمل قول قتادة رحمه الله: أهل رحمة الله أهل الجماعة وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقته وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم" [2] ، فالقضية قضية منهج لا قضية تواجد حسي بين ظهراني المسلمين، فتأمل كيف ظهرت بدعة الخوارج حيث قالوا بكفر العصاة من الموحدين واستباحوا بذلك دماء المسلمين مخالفين بذلك إجماع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ثم ظهر بعد ذلك قول المعتزلة في المنزلة بين المنزلتين، وظهر بعدئذٍ قول المرجئة بأن الفاسق مؤمن كامل الإيمان [3] . قلت: وفي مقابل بدعة الخوارج الذي كفّروا عليًا رضي الله عنه ظهرت نزعة التشيع الغالي، وتعددت أصول البدعة فظهرت بالإضافة إلى هذه الفرقة العملية البدع العقدية حيث ظهرت أولى هذه البدع في مقولة القدرية في أول إمارة المروانية والتي أنكرها كبار الصحابة كعبد الله بن عمر وابن عباس رضي الله عن الجميع [4] ، فعن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلًا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف. قال:"فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني برئ منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أُحد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر" [5] ، قلت: وهنا إشكال حيث ذكر أهل العلم في بعض المواضع أن بدعة الخوارج هي أول الفتن ظهورًا في الأمة، في حين ذكر البعض أن مقولة القدرية هي أول بدعة، والجمع بينهما سهل بإذن الله إذ أن الأولية نسبية، فبدعة الخوارج كانت أول افتراق عملي في الأمة أما بدعة القدرية فكانت أول بدعة عقدية وإن كان مرد البدع جميعًا إلى العقيدة، والله أعلم.

ولقد قيض الله تعالى من علماء وجهابذة هذه الأمة من وقف لهذه البدع بالمرصاد بدءً من ابن عمر وباقي الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ومرورًا بالتابعين فمن بعدهم من حملة لواء السنة، وقد صنف العلماء قديما وحديثا في هذه المسائل تصانيف متعددة وممن صنف في الإيمان من أئمة السلف الإمام أحمد وأبو عبيد

(1) صحيح مسلم - 2/ 743 - والنصل هو حديدة السهم، والرصاف مدخل النصل في السهم، والفوقة هو الحز الذي يجعل فيه الوتر

(2) تفسير القرآن العظيم - ابن كثير - 4/ 455 (طبعة دار الفتح)

(3) جامع العلوم والحكم - البغدادي - 1/ 130 بتصرف

(4) اعتقاد أهل السنة - اللالكائي - 16/ 1

(5) صحيح مسلم - 1/ 36 - 37

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت