الصفحة 22 من 32

فانصرف ابن عباس، ثم دعاه بعد فعرف الذي قال، ثم قال: إيه أعد علي" [1] ، قلت: وإنما نهره عمر رضي الله عنه استعظامًا لهذا الذي ذكره ابن عباس لا إنكارًا لما قاله فلقد علم أن ما قاله هو الحق، وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما هو الذي جر على هذه الأمة الويلات، وتأمل كيف ظهر هذا الخلل المنهجي في الأمة عندما بدأ البعض يسير في فهم النصوص سيرًا ما سبقه إليه أحد ممن شهد الوحي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ ابن حجر في الفتح:"وأخرج البيهقي بسندٍ جيدٍ عن عبد الله بن وهب قال: كنا عند مالك، فدخل رجلٌ فقال: يا أبا عبد الله الرحمن،"على العرش استوى"، كيف استوى؟ فأطرق مالك، فأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه فقال:"الرحمن على العرش استوى"كما وصف به نفسه، ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع، وما أراك الا صاحب بدعة، أخرِجوه" [2] ، وقل مثل هذا في كل خلل منهجي استحدثه أهل البدع كتحكيم العقل في النقل كما هو مذهب المعتزلة والقول بوجود معان باطنة خفية للقرآن لا يعلمها إلا آحاد من الأئمة كما يدعيه الباطنية وغيرهم، ولا زلنا نتجرع آثار هذا الخلل المنهجي في فهم نصوص عقيدتنا إلى يومنا هذا وما هذا إلا بسبب سلوك طريق البدعة، ولله در الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز حيث كتب إلى بعض عماله وفيه:"فعليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة واعلم أن من سن السنن قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والتعمق والحمق فان السابقين الماضين عن علم وقفوا وببصر نافذ كفُّوا" [3] ، فكل منهج على خلاف منهج السنة فهو منهج خاطئ، والخير كل الخير في الوقوف عند ما وقف عليه من عاين الوحي وشهد التنزيل واستعصم بتصويب الوحي أو إقراراه لما فهم وطبق وعمل به من نصوص الوحي."

3 -خفوت السنة وضياعها: وهذا أثر خطير من آثار البدع على عقيدة الأمة وعلمها، ذلك أنه لا تظهر بدعة إلا بخفوت سنة، ولا تظهر سنة إلا بذبول بدعة تعارضها، فعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"ما يأتي على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن" [4] ، وذكر الإمام الشاطبي عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه أخذ حجرين فوضع أحدهما على الآخر فقال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله ما نرى بينهما من النور إلا قليلًا. قال:"والذي"

(1) سنن سعيد بن منصور - 1/ 176، وذكره البيهقي في شعب الإيمان، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع

(2) فتح الباري - الحافظ ابن حجر العسقلاني- 13/ 407

(3) حلية الأولياء - 5/ 338

(4) اعتقاد أهل السنة - اللالكائي - 1/ 92

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت