الصفحة 21 من 32

بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال:"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" [1] ، والشاهد في قوله صلى الله عليه وسلم (وكل بدعة ضلالة) فإن الضلالة لا يمكن أن تصل بالمرء إلى صراط ربه المستقيم، وقد صح في الحديث أيضًا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد" [2] ، وعليه يمكن تلخيص أهم الآثار السيئة للبدع في مجال العقيدة فيما يلي:

1 -الضلال: فالبدعة والضلال قرينان، فأينما وجدت البدعة وجدت الضلالة، قال الله تعالى:"وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" [3] ، قال الإمام الطبري بسنده عن مجاهد: (ولا تتبعوا السبل) : البدع والشبهات" [4] ، وعن قتادة قال:" (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم) : قال صاحب بدعة يدعو إلى بدعته" [5] ، وأكثر ما يكون هذا النوع من الضلال ناجمًا عن اتباع الهوى ممن قدموا عقولهم وأهواءهم وتحسيناتهم العقلية على نصوص الشرع فاعتقدوا أمورًا واعتمدوا آراءً ثم أخذوا يلوون أعناق النصوص لتوافق هواهم فهؤلاء الذين قال الله تعالى فيهم:"فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله" [6] ، وإن خطر هؤلاء على الأمة عظيم جدًا لأنهم - كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها" [7] ."

2 -الخلل المنهجي: إن من أسوأ ما باءت به الأمة جراء استشراء البدع ظهور الخلل العميق في منهج فهم نصوص الشريعة وتطبيقها، وهذا قد أدى بدوره إلى تشتت وتشرذم الأمة كلٌ يسير وفق هواه، وكل يطوع الدين لغايته ومبتغاه، ولقد وعى حبر هذه الأمة وترجمانها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما هذا الداء فعن إبراهيم التيمي قال: خلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم يحدث نفسه، فأرسل إلى ابن عباس فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وكتابها واحد وقبلتها؟ فقال ابن عباس:"يا أمير المؤمنين، إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيم أنزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن ولا يعرفون فيم نزل، فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا". فزبره عمر وانتهره

(1) سنن أبو داود - باب لزوم السنة - 4/ 200

(2) صحيح البخاري - كتاب الصلح - باب إذا اصطلحوا على صلح جور - 2/ 959 - حديث 2550

(3) سورة الأنعام - 153

(4) تفسير الطبري - 8/ 88

(5) اعتقاد أهل السنة - اللالكائي - 1/ 115

(6) سورة آل عمران - 7

(7) تقدم برقم 67

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت